Bienvenue sur mon blog

15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

 السعادة و الموت و الآلهة

يمثل مفهوم السعادة لدي الفيلسوفين اليوناني أبيقور و العربي أبي بكر الرازي مفتاح قراءة فلسفتيهما ، فقد كان قلب الرحي الذي دارت حوله جل طروحاتهما الفلسفية . 

و برأي ابيقور فان الخير و الفضيلة ( دلالة اخلاقية )لا يتنافيان مع تحقيق الرغبات ( دلالة بيولوجية )، بل يفرضان ذلك فتلبية الرغبة تعد لدي فيلسوف البهجة الخير الأسمي ، و هذا يعني انه يقف في الخط المقابل لافلاطون الذي يقول في محاورة الفيدون: ان نفس الفيلسوف تزدري الجسد . 

و تجد مقاربته لمفهوم السعادة في البيولوجيا مرتكزا لها باعتبار ان هذا العلم ( بالمعني الابستمي لعصره ) يمكننا من فهم طبيعة الكائن الانساني الذي لا يمكنه الشعور بالبهجة ، و من ثمة بالسعادة اذا لم تلب حاجاته البيولوجية، فالانسان من زاوية نظر أبيقور يسعي دوما الي الحفاظ علي حياته ، فلديه توق دائم للاستمرار في الوجود و اللذة هي محرك ذلك التوق . و أضفي من ثمة علي اللذة طابعا ايجابيا ، فالسلوك الخير بالمعني الاخلاقي هو الذي يطلب اللذة و يتجنب الالم . 

و قد فرق أبيقور بين أصناف مختلفة من الرغبات وهي: 

ـ رغبات طبيعية و ضرورية ( الماكل و المشرب المتزنان ..) 

ـ رغبات طبيعية و غير ضرورية ( الماكل الباذخ …) 

ـ رغبات غير طبيعية و غير ضرورية ( جمع الذهب و الاحجار الكريمة …) و هذا التصنيف نجده في رسالته الي Ménécée كما نجده في الحكم الاساسية [1] . 

و الفيصل بالنسبة اليه في معرفة الرغبات التي يجب تلبيتها هو مدي تحقيقها لسلامة الجسد و راحة النفس ،لذك فان السعادة تتطلب الاكتفاء بتلبية الرغبات الطبيعية و الضرورية دون سواها ، و يربط هنا بين مفهومي السعادة و الكمال فالحياة السعيدة تبلغ كمالها من خلال المقياس المشار اليه. 

و يري أبيقور انه من الصعب ان ندرك الخير اذا لم نلب لذات الذوق و البصر و السمع و الماكل و المشرب .. أي سائر الحواس و الغرائز . و قد حرص علي تمييز وجهة نظره بهذا الخصوص عن وجهات النظر الرائجة حيث ترتدي اللذة معني سلبيا ،مميزا اللذة التي يقصدها عن اللذة التي يطلبها الفساق، مشددا ان اللذة تعني لديه طمأنينة النفس و سلامة الجسد ( رسالة الي مينيساي ) فاللذة تحقق للانسان التوازن، و اذا ما انتفت و غابت كان الاضطراب علي المستوين البدني و النفسي . 

و ينسَب فيلسوف البهجة مفهومي اللذة و الالم ، اذ هناك لذة و لذة ، و ألم و ألم أي ان هناك لذة يجب استبعادها، و اخري يجب الاقبال عليها ،كما ان هناك ألما يجب الاقدام عليه و آخر ينبغي توقي مخاطره ،و المحدد في ذلك هو مدي تلاؤم اللذة و الالم مع مطلب السعادة . 

كما تحيلنا المقاربة الابيقورية لمفهوم السعادة أيضا الي السجل السيكولوجي فالسعادة لا يمكن الحديث عنها اذا كانت النفس تعاني الاضطراب و الهيجان، فما يحدث الاضطراب هو ضعف او شدة تلبية الرغبات التي يطلبها الجسد ،فعندما لا تتم التلبية علي نحو معتدل يكون الجسم في حالة اضطراب لا في حالة سكينة ، مما يعني ان كل خلل في تلبية اللذات ، سواء من جهة الاسراف او من جهة النقص يؤدي الي الشقاء . 

و السعادة لديه مقترنة بالتحرر من الخوف باشكاله المختلفة و الذي يجد أعلي تجلياته في الخوف من الآلهة و من الموت ، فبخصوص الخوف من الآلهة نراه يعمد الي قلب معادلة الكفر و الايمان الي نقيضها حيث يتحول الكافر بالمعني الدارج الي مؤمن و المؤمن الي كافر ، يقول  » ليس الكافر من يحتقر الهة الجمهور و انما الكافر من يتبني تصور الجمهور عن الالهة  » ، فالجمهور الخاضع الي سلطة العادة ينظر الي الآلهة باعتبارها قوة خارقة ،تتلذذ بمعاقبة من يخرج عن تعاليمها ، بينما يري أبيقور ان الآلهة اذا جازت الخيرين خيرا و الشريرين شرا فانها لن تختلف عن الانسان نفسه ، و من ثمة ينحت تصورا آخر لآلهة تنشد الغبطة و الفرح ، و لا تعترض سبيل الناس و هم يطلبون تحقيق سعادتهم في اللذات و المتع و الرغبات . 

كما تقتضي السعادة التحرر من الخوف من الموت حيث ينظم محاجته علي ذلك من خلال التأكيد انني في اللحظة التي أكون فيهاعلي قيد الحياة فان الموت غير كائن ،و عندما يكون الموت فانني غير كائن ، مما يعني ان الموت غريب بالنسبة الي ، طالما ان الوجود يقترن بالاحساس، و عندما يحضر الموت فان الاحساس يكون قد توقف تماما ، لذلك فان الموت لا يسبب لي أي ألم كان و اذا كان هناك الم فانه يحدث اثناء الحياة . و علي هذا النحو تعني السعادة التحرر من اوهامنا بخصوص الموت و الالهة و لكي تتم عملية التحرر تلك ينبغي ان نتفلسف و في ذلك يتساوي الجميع سواء كانوا شبانا او شيوخا . 

و الكثير من آراء ابيقور هذه نجد صنوها لدي ابي بكر الرازي الذي أولي اهتماما خاصا لمسألة اللذة و اشار اليها في عدد من كتبه مثل كتاب الطب الروحاني و كتاب السيرة الفلسفية ، بل انه كما يذكر ابن النديم قد الف كتابا خاصا في ذلك و هو كتاب اللذة ، غير ان هذا الكتاب مفقود في اصله العربي بينما توجد بعض مختارات منه مترجمة الي اللغة الفارسية، اوردها ناصر خسرو في كتابه زاد المسافر . 

و قد فرق الرازي بين اللذة و الالم معتبرا ان اللذة تعني الخلاص من الالم غير انها اذا ظلت علي حالها دون توقف أصبحت بدورها ألما يقول  » ان اللذة ليست بشئ سوي الراحة من الالم و لا توجد لذة الا علي اثر ألم ، و اذا استمرت صارت ألما «  [2] وبرايه هناك حالة تنعدم فيها اللذة كما ينعدم فيها الالم غير ان هذه الحالة لاتدركها الحواس . 

و الملاحظ انه يرجع اللذة و الالم الي الجانب الحسي حيث يقول  » ان اللذة حس مريح و أما الالم فهو حس مؤلم «  [3] ، كما انه يربطهما بالحالة الطبيعية او غير الطبيعية للانسان ، فاللذة انتصار علي الالم و عودة الي الحالة الطبيعية أما الالم فهو الخروج عن الحالة الطبيعية . 

و اذا كان أبيقور قد تمرد علي الهة اليونان فان الرازي يعرف بانكاره للنبوة و قد كتب في ذلك مؤلفه مخاريق الانبياء ، و تكشف لنا الفقرة التالية التي كتبها منذ قرون عن مدي عمق تشخيصه للذهنية العربية النقلية حيث ساد و لايزال مرض عضال اسمه التكفير  » إن أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد ، و دفعوا النظر و البحث عن الأصول و شددوا فيه و نهوا عنه و رووا عن رؤسائهم أخبارا توجب عليهم ترك النظر ديانة ، و توجب الكفر علي من خالف الأخبار التي رووها ، من ذلك ما رووه عن أسلافهم إن الجدل في الدين و المراء فيه كفر ، و من عرض دينه للقياس لم يزل الدهر في التباس ، و لا تتفكروا في الله و تفكروا في خلقه ، و القدر سر الله فلا تخوضوا فيه ، و إياكم و التعمق ، فان من كان قبلكم هلك بالتعمق ، إن سئل أهل هذه الدعوي عن الدليل علي صحة دعواهم استطاروا غضبا ، و هدروا دم من يطالبهم بذلك ، و نهوا عن النظر ، و حرضوا علي قتل مخالفيهم ، فمن أجل ذلك اندفن الحق اشد اندفان و انكتم اشد انكتام … و إنما أتوا في هذا الباب من طول الإلف لمذهبهم و مر الأيام و العادة ، و اغترارهم بلحي التيوس المتصدرين في المجالس ، يمزقون حلوقهم بالأكاذيب و الخرافات ، و حدثنا فلان عن فلان بالزور و البهتان ، و برواياتهم الأخبار المتناقضة ، من ذلك آثار توجب خلق القرآن ، و أخري تنفي ذلك ، و أخبار في تقديم علي و أخري في تقديم غيره و آثار تنفي القدر و أخري تنفي الإجبار … «  [4]. 

كما دعا الرازي الي التحرر من الخوف من الموت فـ  » المتصور للموت الخائف منه يموت في كل تصويرة موتة ، فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة ، فالأجود اذا و الاعود علي النفس التلطف و الاحتيال لاخراج هذا الغم عنها «  [5

و علي هذا النحو فان تحصيل السعادة يتطلب في نظر الفيلسوفين اعمال النظر العقلي و التحلي بالحكمة و الفضيلة ، و اعادة الاعتبار للرغبات المستبعدة قسرا بفعل التحريم المجلل بالقداسة ، و التحرر من الخوف من الموت و الآلهة . 

حواشي 

[1] Epicure / Lettres et Maximes . Trad : Marcel Conche .Puf . Paris1987. p241 

[2] ابو بكر محمد بن زكريا الرازي رسائل فلسفية ، دار الافاق الجديدة ، بيروت 1980 ، ص 148 

[3] المصدر نفسه ، ص 149 

[4] أورده عبد الرحمان بدوي ، من تاريخ الإلحاد في الإسلام ، سينا للنشر ، الطبعة الثانية ، القاهرة 1993 ، ص 245 



15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

يمثل مفهوم السعادة لدي الفيلسوفين اليوناني أبيقور والعربي أبي بكر الرازي مفتاح قراءة فلسفتيهما، فقد كان قلب الرحي الذي دارت حوله جل طروحاتهما الفلسفية. و برأي ابيقور فان الخير والفضيلة (دلالة اخلاقية)لا يتنافيان مع تحقيق الرغبات (دلالة بيولوجية)، بل يفرضان ذلك فتلبية الرغبة تعد لدى فيلسوف البهجة الخير الأسمي، و هذا يعني انه يقف في الخط المقابل لإفلاطون الذي يقول في محاورة الفيدون: إن نفس الفيلسوف تزدري الجسد. و تجد مقاربته لمفهوم السعادة في البيولوجيا مرتكزا لها باعتبار ان هذا العلم (بالمعني الابستمي لعصره) يمكننا من فهم طبيعة الكائن الانساني الذي لا يمكنه الشعور بالبهجة، و من ثمة بالسعادة اذا لم تلب حاجاته البيولوجية، فالانسان من زاوية نظر أبيقور يسعي دوما الي الحفاظ علي حياته، فلديه توق دائم للاستمرار في الوجود واللذة هي محرك ذلك التوق. و أضفي من ثمة علي اللذة طابعا ايجابيا، فالسلوك الخير بالمعني الاخلاقي هو الذي يطلب اللذة و يتجنب الالم. و قد فرق أبيقور بين أصناف مختلفة من الرغبات وهي: ـ رغبات طبيعية و ضرورية ( المأكل و المشرب المتزنان ..) ـ رغبات طبيعية و غير ضرورية ( المأكل الباذخ …) ـ رغبات غير طبيعية و غير ضرورية ( جمع الذهب و الأحجار الكريمة …) وهذا التصنيف نجده في رسالته الي Ménécée كما نجده في الحكم الاساسية [1]. والفيصل بالنسبة اليه في معرفة الرغبات التي يجب تلبيتها هو مدى تحقيقها لسلامة الجسد و راحة النفس، لذك فان السعادة تتطلب الاكتفاء بتلبية الرغبات الطبيعية و الضرورية دون سواها، ويربط هنا بين مفهومي السعادة والكمال فالحياة السعيدة تبلغ كمالها من خلال المقياس المشار اليه. و يري أبيقور أنّه من الصعب أن ندرك الخير اذا لم نلبِّ لذّات الذوق والبصر والسمع والمأكل والمشرب .. أي سائر الحواس و الغرائز. و قد حرص علي تمييز وجهة نظره بهذا الخصوص عن وجهات النظر الرائجة حيث ترتدي اللذة معني سلبيا، مميزا اللذة التي يقصدها عن اللذة التي يطلبها الفساق، مشددا ان اللذة تعني لديه طمأنينة النفس و سلامة الجسد ( رسالة الي مينيساي ) فاللذة تحقق للانسان التوازن، واذا ما انتفت وغابت كان الاضطراب علي المستوين البدني والنفسي. وينسَب فيلسوف البهجة مفهومي اللذة والالم، اذ هناك لذة و لذة، وألم و ألم أي ان هناك لذة يجب استبعادها، واخري يجب الاقبال عليها، كما ان هناك ألما يجب الاقدام عليه وآخر ينبغي توقي مخاطره، والمحدد في ذلك هو مدى تلاؤم اللذة والالم مع مطلب السعادة. كما تحيلنا المقاربة الابيقورية لمفهوم السعادة أيضا الي السجل السيكولوجي فالسعادة لا يمكن الحديث عنها اذا كانت النفس تعاني الاضطراب والهيجان، فما يحدث الاضطراب هو ضعف او شدة تلبية الرغبات التي يطلبها الجسد، فعندما لا تتم التلبية علي نحو معتدل يكون الجسم في حالة اضطراب لا في حالة سكينة، مما يعني ان كل خلل في تلبية اللذات، سواء من جهة الإسراف او من جهة النقص يؤدي الي الشقاء. والسعادة لديه مقترنة بالتحرر من الخوف باشكاله المختلفة والذي يجد أعلي تجلياته في الخوف من الآلهة ومن الموت، فبخصوص الخوف من الآلهة نراه يعمد الي قلب معادلة الكفر والايمان الي نقيضها حيث يتحول الكافر بالمعني الدارج الي مؤمن والمؤمن الي كافر، يقول  » ليس الكافر من يحتقر الهة الجمهور وانما الكافر من يتبني تصور الجمهور عن الالهة « ، فالجمهور الخاضع الي سلطة العادة ينظر الي الآلهة باعتبارها قوة خارقة، تتلذذ بمعاقبة من يخرج عن تعاليمها، بينما يري أبيقور ان الآلهة اذا جازت الخيرين خيرا والشريرين شرا فانها لن تختلف عن الانسان نفسه، و من ثمة ينحت تصورا آخر لآلهة تنشد الغبطة و الفرح، ولا تعترض سبيل الناس وهم يطلبون تحقيق سعادتهم في اللذات والمتع والرغبات. كما تقتضي السعادة التحرر من الخوف من الموت حيث ينظم محاجته علي ذلك من خلال التأكيد انني في اللحظة التي أكون فيهاعلي قيد الحياة فان الموت غير كائن، وعندما يكون الموت فانني غير كائن، مما يعني ان الموت غريب بالنسبة الي، طالما ان الوجود يقترن بالاحساس، وعندما يحضر الموت فان الاحساس يكون قد توقف تماما، لذلك فان الموت لا يسبب لي أي ألم كان واذا كان هناك الم فانه يحدث اثناء الحياة . وعلي هذا النحو تعني السعادة التحرر من اوهامنا بخصوص الموت والالهة و لكي تتم عملية التحرر تلك ينبغي ان نتفلسف وفي ذلك يتساوي الجميع سواء كانوا شبانا او شيوخا. والكثير من آراء ابيقور هذه نجد صنوها لدي ابي بكر الرازي الذي أولي اهتماما خاصا لمسألة اللذة واشار اليها في عدد من كتبه مثل كتاب الطب الروحاني وكتاب السيرة الفلسفية، بل انه كما يذكر ابن النديم قد الف كتابا خاصا في ذلك وهو كتاب اللذة، غير ان هذا الكتاب مفقود في اصله العربي بينما توجد بعض مختارات منه مترجمة الي اللغة الفارسية، اوردها ناصر خسرو في كتابه زاد المسافر. وقد فرق الرازي بين اللذة و الالم معتبرا ان اللذة تعني الخلاص من الالم غير انها اذا ظلت علي حالها دون توقف أصبحت بدورها ألما يقول  » ان اللذة ليست بشئ سوي الراحة من الالم و لا توجد لذة الا علي اثر ألم، و اذا استمرت صارت ألما  » [2] وبرايه هناك حالة تنعدم فيها اللذة كما ينعدم فيها الالم غير ان هذه الحالة لاتدركها الحواس. والملاحظ انه يرجع اللذة والالم الي الجانب الحسي حيث يقول  » ان اللذة حس مريح و أما الالم فهو حس مؤلم  » [3]، كما انه يربطهما بالحالة الطبيعية او غير الطبيعية للانسان، فاللذة انتصار علي الالم وعودة الي الحالة الطبيعية أما الالم فهو الخروج عن الحالة الطبيعية. واذا كان أبيقور قد تمرد علي الهة اليونان فان الرازي يعرف بانكاره للنبوة وقد كتب في ذلك مؤلفه مخاريق الانبياء، وتكشف لنا الفقرة التالية التي كتبها منذ قرون عن مدى عمق تشخيصه للذهنية العربية النقلية حيث ساد و لا يزال مرض عضال اسمه التكفير  » إن أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد، ودفعوا النظر والبحث عن الأصول و شددوا فيه ونهوا عنه و رووا عن رؤسائهم أخبارا توجب عليهم ترك النظر ديانة، و توجب الكفر علي من خالف الأخبار التي رووها، من ذلك ما رووه عن أسلافهم إن الجدل في الدين و المراء فيه كفر، ومن عرض دينه للقياس لم يزل الدهر في التباس، ولا تتفكروا في الله و تفكروا في خلقه، والقدر سر الله فلا تخوضوا فيه، وإياكم والتعمق، فان من كان قبلكم هلك بالتعمق، إن سئل أهل هذه الدعوى عن الدليل علي صحة دعواهم استطاروا غضبا، وهدروا دم من يطالبهم بذلك، و نهوا عن النظر، وحرضوا علي قتل مخالفيهم، فمن أجل ذلك اندفن الحق اشد اندفان وانكتم اشد انكتام … وإنما أتوا في هذا الباب من طول الإلف لمذهبهم و مر الأيام والعادة، واغترارهم بلحي التيوس المتصدرين في المجالس، يمزقون حلوقهم بالأكاذيب والخرافات، وحدثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان، وبرواياتهم الأخبار المتناقضة، من ذلك آثار توجب خلق القرآن، وأخري تنفي ذلك، و أخبار في تقديم علي وأخري في تقديم غيره وآثار تنفي القدر وأخري تنفي الإجبار …  » [4]. كما دعا الرازي الي التحرر من الخوف من الموت فـ  » المتصور للموت الخائف منه يموت في كل تصويرة موتة، فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة، فالأجود اذا و الاعود علي النفس التلطف و الاحتيال لاخراج هذا الغم عنها  » [5] و علي هذا النحو فان تحصيل السعادة يتطلب في نظر الفيلسوفين اعمال النظر العقلي و التحلي بالحكمة و الفضيلة، واعادة الاعتبار للرغبات المستبعدة قسرا بفعل التحريم المجلل بالقداسة، والتحرر من الخوف من الموت والآلهة. حواشي: [1] Epicure / Lettres et Maximes . Trad : Marcel Conche .Puf . Paris1987. p241 [2] ابو بكر محمد بن زكريا الرازي رسائل فلسفية ، دار الافاق الجديدة ، بيروت 1980 ، ص 148 [3] المصدر نفسه ، ص 149 [4] أورده عبد الرحمان بدوي ، من تاريخ الإلحاد في الإسلام ، سينا للنشر ، الطبعة الثانية ، القاهرة 1993 ، ص 245 [5] أبوبكر محمد بن زكريا الرازي ، رسائل فلسفية ، ص 95



15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

http://www.maktaba.3almani.org/room/3lebi/index.htm

تسجيل صوتي للندوة الحوارية التي قدمتها في الغرفة الصوتية لشبكة العلمانيين العرب



15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

isbn9953821313thumbnail.jpg

فريد العليبي

رؤية ابن رشد السياسية

مركز دراسات الوحدة العربية / بيروت 2007



الحرب على الإرهاب : التقنية والإيتيقا في خدمة العدوان
15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

  



 

لم تنفك الفلسفة في حلّها و ترحالها تساءل الراهن الذي تحيا فيه و تتشكل حتى أنها أعتبرت عصرها ملخصا في مجال الفكر، كما أعتبر الفلاسفة أبناء عصرهم بامتياز. 

و مقالنا هذا سيتركز الحديث فيه على مساءلة الراهن في بعد من أكثر أبعاده التهابا ، و نعني الحرب المستعر أوارها في بقاع مختلفة من عالمنا تحت عنوان مثير: القضاء على الإرهاب ، أي إن مطلبنا هو الالتفات ناحية مكاننا و زماننا فـ « من أسرف في التطلع إلى ما كان يحدث في العصور الخالية ظل في العادة شديد الجهل بما يتم في زمانه » [1] . 

و إذا كانت الحرب في نسختها الراهنة تعتمد أشد التقنيات تعقيدا و أكثر الأسلحة تطورا فإن مساءلتها الفلسفية لا يمكن إلا أن تكون معنية بتحليل بعدها التقني ، حيث الحديث عن عمليات عسكرية دقيقة و نظيفة، و أسلحة ذكية لا تلحق الأذى إلا بالأشرار المارقين. 

كما أن الحديث عن هؤلاء الأشرار و اعتبار القضاء عليهم الغائية المحركة لهذه الحرب يضعنا بدوره أمام بعد آخر لا يقل أهمية يتصل بإيتيقا الحرب الدائرة حاليا، فإذا كانت الأخلاق هي مجموع القيم المعتمدة في عصر ما و مجتمع ما، فإن الإيتيقا بما تحمله من شحنة فلسفية و بعد تنظيرى تنشد إلى مقصد محدد و هو الحكم على الأفعال و أنماط السلوك، لكي نعرف ما إن كانت خيره أم شريرة. 

و الرهان الفلسفي الذي تبتغيه هذه المساءلة هو الدفع باتجاه فتح العين على الدمار الذي نحياه، تمهيدا لمواجهته مواجهة شاملة. فللفلسفة أن تقول كلمتها بصوت عال و أن تفكر في الراهن تحليلا و نقدا، و أن تجبر من حولها على التفكير فيما لم يفكروا فيه بعد. و ذلك في لحظة تاريخية موسومة في الأغلب بتتفيه الثقافة و استقالة المثقفين و انكفائهم على أنفسهم بعيدا عن صخب الحياة و ضوضائها، أو انخراطهم في ما هو سائد و التماهي مع نظمه و مؤسساته. 

و شأن الفيلسوف وهو يساءل هذه القضايا شأن من يحاول تمثل الوقائع بنقلها إلى مستوى المفاهيم و الإشكاليات. فإذا كانت تلك الوقائع شائكة فإن ما يبدو أمرا يتمتع بكامل الأولوية هو صياغة الأسئلة التي تطرحها، و عندما يحصل ذلك فإن إجتراح حلول لها يصبح قيد الإمكان. 

و ليس للفلسفة و هي تؤدي هذه المهمة إلاّ أن تتوسل سهل الكلام، و بالتالي أن تقطع مع عادة غدت رائجة ممثلة في اللجوء إلى أساليب الحذلقة النظرية، بتعقيد المسائل عوضا عن تبسيطها. أي إن المطلوب هو مواجهة ذلك الإرهاب الفكري المسلط على جموع واسعة من البشر من خلال تعقيد الأفكار و إحاطتها بهالة من الغموض و اللبس، تمهيدا للقول أنها لا تدرك إلا من قبل الخاصة، و بذلك يرفع سيف التعقيد لوأد الأفكار الواضحة و المتميزة. 

و لا يعني ذلك الركون إلى النزعة التسطيحية و تقريظ الابتذال، فهذه النزعة هي الوجه الآخر للتعقيد الذي ألمحنا إليه ، من حيث كونها تحول دون إدراك المسائل، محولة إياها إلى كاريكاتور لا يحيل إلى التفكير بقدر ما يحيل إلى التهكم، الذي برغم قيمته فإنه يظل ردّ فعل أولي يحب أن يتلوه التدقيق و التحقيق، فعندها فقط ترتسم أمامنا ملامح « الفلسفة (التي) تعيننا على القول في كل شيء قولا شبيها بالحقيقة » [2] . 

1- أطروحات فلسفية ثلاث حول الحرب 

كان للفلاسفة مواقف متباينة بشأن الحرب، بين ممتدح لها و معترض عليها بشكل مطلق من جهة، و منسّب للموقف منها في علاقة بطبيعتها في كل حالة من الحالات المخصوصة التي تقع فيها من جهة أخرى. 

و للتمثيل لهذه المواقف سنورد بعض المرجعيات الفلسفية و سنضرب صفحا عن أخرى، طالما أننا غير معنيين في هذا المقام بسرد آراء سائر الفلاسفة، و إنما بالجانب الإشكالي للمسألة، لأجل ذلك سنقتصر على استحضار كانط و نيتشة بالنسبة للموقف الأول، و ابن رشد و الماركسية بالنسبة للموقف الثاني. 

بالعودة إلى كانط نلاحظ أنه يردّ الحرب إلى نزوع غريزي يضرب بجذوره عميقا في طبيعة الإنسان، فهي « تبدو متجذرة في الطبيعة البشرية، بل إنها تبدو كشيء نبيل يميل إليه الإنسان حبّا في المجد » [3]. ولا يعني ذلك أنه يبرّرها بل على العكس تماما فهو لا يخفي معارضته لها بشكل مطلق، موجها نقده للفلاسفة الذين مجّدوها، فبرأيه « هناك فلاسفة يمتدحون الحرب كما لو كانت ميزة إنسانية ، متغافلين عن هذه الجملة التي نطق بها إغريقي: إن الحرب سيئة من حيث كونها تصنع من الأشرار أكثر مما تلغى » [4]. 

و الوجه الآخر لهذا الموقف نعثر عليه لدى نيتشة الذي عبر عن رأى مناصر للحرب منافح عنها، فهي الكفيلة بصقل مواهب عرق السادة و المحافظة عليها. و بالتالي الحيلولة دون انحطاطها، ومن ثمة التعجيل في ظهور الإنسان الأرقى، فالصراع و القتال و المغامرة بالحياة كلها أمور لا غنى عنها لإدراك ذلك الهدف، فـ »الأحكام القيميّة لدى الأرستقراطية المقاتلة تعتمد على بنية جسمية قوية، على صحة عامرة، دون نسيان الشرط اللازم لتعهّد هذا النشاط المتدفق، نعني الحرب و المغامرة » [5]. 

و برأيه فإن القوى لا ينبغي أن يلام كلّما عمد إلى وضع « إرادة الاكتساح و الإخضاع » لديه موضع التطبيق، فتلك ما تقتضيه طبيعة الأشياء ذاتها. كما أنه لا معنى لـ » مطالبة الضعف بأن يتجلي كقوة »، لأجل ذلك أضفي نيتشة على القوة و الضعف طابعا فيزيائيا و بيولوجيا، فـ » كمية من القوة المحددة تستجيب بالضبط لنفس الكمية من الغريزة، من الإرادة، من الفعل » [6]. 

و لم يتردد في توجيه نقده العنيف للأطروحات المسالمة و النزعات الإنسانية المفرطة في إنسانيتها، معتبرا إياها « عقيدة جامدة… تؤكد أن من الجائز للقوي أن يصبح ضعيفا، و الطير الجارح أن يتحول إلى حمل » [7]. 

و في المقابل نجد لدى ابن رشد موقفا مغايرا، فالحرب لازمة لردع المعتدين و إجبار المدن الضالة على السير على طريق الفضيلة و الحكمة، غير أنها ليست اختيارية و إنما اضطرارية، و عندما تنتفي أسبابها الموضوعية فإن اللجوء إلى السلام يفرض ذاته لا محالة إذ  » من الصائب القول أنه أحيانا يكون السلام مرغوبا فيه أكثر من الحرب » [8]. 

و في نفس الاتجاه ترى الماركسية أن الحرب ليست شرّا مطلقا و لا خيرا مطلقا، لذلك ينبغي أن يتخذ الرأي بخصوصها في كل حالة على حدة، فحروب المضطهدين ضدّ مضطهديهم حروب عادلة ينبغي مناصرتها و الانخراط فيها. أما الحروب التي يشنها الغزاة بهدف الاستعمار و الاستغلال فينبغي فضح طبيعتها و مقاومتها. أي إنه سواء كان الاضطهاد داخليا أو خارجيا فإن الحرب التي يشنها المضطهدون لأجل تحرّرهم هي حرب مشروعة. 

ففي حال الغزو الخارجي « فإن كل أمة تستسلم لأن جيوشها لم تستطع المقاومة لهي أمة جبناء تستحق كل احتقار » [9] ، فواجب الأمة التي تخضع للغزو أن تنهض لمقاومة الغزاة من خلال اللجوء إلى شكل النضال المناسب الذي تعتمده الشعوب المقهورة ضد مستعمريها و هو حرب العصابات فـ »كل أمة شنت حرب عصابات ضدّ الغزاة انتصرت » [10] . 

أما بالنسبة للصراع الواقع داخل البلد الواحد بين الطبقات المتناحرة، فإن الماركسية تعتبر الثورة المسلحة التي يقوم بها المضطهدون أمرا مبرّرا بل لازما فـ « البرولتاريا تؤسس سلطتها بعد القضاء على البرجوازية بالشدة و العنف » [11]. 

و حتى لا ينهزم الثوريون عليهم أن يتعاملوا مع الثورة باعتبارها تخضع لقوانين مضبوطة، فقد « أصبحت الثورة المسلحة… فنا كالحرب أو أي فن آخر، وهي تخضع لقوانين معينة، إذا أهملت تؤدّي إلى تدمير القائمين بالثورة » [12] . 

و كما هو جليّ فإن الحدود الفاصلة بين هذه الآراء تجد منبتها في أطروحات ثلاث، أولها أن الحرب سيئة في كل الظروف و الحالات، و أن البديل عنها هو السلم الأبدية، و الثانية أنها شرط لازم لترقّى الكائن الإنساني وصولا إلى الإنسان الأعلى، و الثالثة أن طبيعتها تتحدد بالمقصد الذي ترومه و القوى المنخرطة فيها. 

2- دلالة الحرب على الإرهاب 

إذا كانت الحرب « ليست عملا سياسيا فحسب ولكنها أداة سياسية حقيقية و استمرار للعلاقات السياسية و تحقيق لهذه العلاقات بوسائل أخرى » [13] بحسب التعريف الشهير لكلاوزفيتش فإن الوقوف على الجانب السياسي شديد الأهمية، و من ثمة فإن الإحالة على وقائع سياسية مباشرة تبدو في هذه الحال أمرا لا مناص منه. 

وطالما أن الأمر يتعلق في هذا العمل بالخوض في إشكالية الحرب و الإيتيقا، فان العلاقة بين السياسي و القيمي لا يمكن إلا أن تكون حاضرة، « فإذا كانت السياسة تقول كونوا حذرين مثل الثعابين بينما تضيف الأخلاق كونوا بسطاء مثل الحمام » [14] ، فإن ما نلاحظه راهنا في عالمنا هو أن الثعابين تفتك بأسراب الحمام في وضح النهار، و بوحشية قل نظيرها. حيث تطيح القوة الغاشمة بالفضائل مجتمعة. 

و ضمن السجل السياسي نلاحظ ذلك الحضور المتعاظم خلال السنوات الأخيرة لمفهوم الإرهاب، و هو من المفاهيم التي ظلت مستعصية على التحديد الدقيق. و برغم أن المفهوم ظل بدون تحديد فقد عقدت مؤتمرات حول الإرهاب و شنت الحروب لأجل القضاء عليه. 

و انعدام وجود تحديد لذلك المفهوم قد لا يكون دون قصد، خاصة من قبل الهيئات الدولية التي تأتمر بأوامر القوى الإمبريالية، فأن يظل التحديد غائبا فذلك من شأنه أن ييسّر لتلك القوى التلاعب به في أي وقت فتفصله على قياس كل حالة من الحالات التي تواجهها. أي أن الالتباس ييسّر على سبيل المثال وصف أية مقاومة مشروعة بأنها إرهاب، كما ييسر وصف إرهاب فعلي بأنه دفاع مشروع عن الذات. 

و اللافت أن مختلف القوى المتصارعة قد حرصت على وصم بعضها البعض بصفة الإرهاب، و جاءت حادثة ضرب برج التجارة و مبنى البنتاغون لكي تضفى على المفهوم بعدا دراماتيكيا. 

و رغم أن الإمبرياليين الأمريكيين يمتلكون الكلمة العليا في ترويج الدعاوي الإيديولوجية التي تظهر خصومهم في أبشع صورة، فقد بدا جليا لقطاع واسع من البشر أنهم يمارسون الإرهاب المنظم، أي إرهاب الدولة العظمى تحت شعار من ليس معنا فهو ضدنا بل إن ما بدا مفارقيا أن هؤلاء هم من صنع ظاهرة الأصولية و هم من يكتوي الآن بنارها فالإمبريالية تصنع إرهابييها و تخرجهم من كمّها في الوقت المناسب، ثم تطلق زعيقها بعد ذلك : إنهم هناك ينبغي غزوهم و تدميرهم في عقر دارهم حتى لا يطالنا شرّهم. 

و إذا كان هناك من تفسير لمثل ذلك الصنيع فهو أن الإمبريالية و الحرب توأمان، فهي عندما لا تجد ذريعة مناسبة لتفجير الحروب فإنها تختلقها من خلال إثارة الفتن، وعندما تندلع الحرائق تتظاهر بلعب دور رجل المطافئ، فترسل جنودها على عجل و لا تبرح المكان إلا مدحورة، تلاحقها لعنات المقهورين و طلقات رصاصهم. 

وإذا كان فريديريك أنجلس قد شكر نابليون على ما صنعته يداه عندما استثار بحروبه التوسعية « حروب الشعوب العامة »، و حرك الشعور القومي المعادي للغزو، فإن بالإمكان القول إن بوش قد فعل الأمر ذاته فهو يحرك لدى العرب و الأفغان و اليوغسلاف و غيرهم من الشعوب، شعورا لا يقاوم بضرورة المقاومة و الثورة. 

و على هذا النحو فإن الحرب الراهنة برغم سلبيتها و لا عدالتها و طابعها الظالم لا تعوزها بعض العناصر الإيجابية، فقد أيقظت ملايين البشر على الوجه البشع للإمبريالية. فبعد تفكك المعسكر الشرقي قدمت الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة في ما أصطلح عليه بالحرب الباردة نفسها، على أنها ستكفل الحرية و العدالة لشعوب الأرض كافة، ضمن نظام عالمي جديد قاعدته المساواة بين الأمم و حفظ الحقوق الأساسية للبشر. و لكن وقائع الحياة كشفت بعد ذلك أن تلك الوعود ليست سوى خداع، و أن جوهر الإمبريالية هو معاداة البشرية. و جاءت الحروب التي شنت في الصومال و البلقان و أفغانستان و العراق لكي تؤكد ذلك. 

و لم تبق الطبقات المستغلة في البلدان الرأسمالية و قد فتحت العين على تلك الحقيقة مكتوفة الأيدي، و إنما سارت في مظاهرات ضخمة ضمت ملايين البشر. و كان شعار مناهضة الحرب إحدى الشعارات الأشد بروزا، أما في البلدان التي طالها الغزو فقد هبت الشعوب المضطهدة لمقاومة المستعمرين بقوة السلاح. 

لقد غدت اليوم مسألة الحرب موضوعا للنقاش العام، و هذا في حدّ ذاته يعد أمر إيجابيا كما ذكرنا، حيث ترسم الحدود بين المواقف المختلفة و تتشكل خارطة القوى السياسية المتصارعة، و يتنامي الوعي السياسي، و تستيقظ جماهير واسعة و تشارك في النضال. و مثلما بينه ماركس و أنجلس قبل قرن و نصف تقريبا من أن الرأسمالية تنجب حفاري قبرها، فإن ديالكتيك الأحداث الجارية اليوم يشير إلى أن الإمبريالية تعفّر وجهها في التراب و تغرق في الأوحال، جراء ما صنعته. و ذلك على أيدي ضحاياها أنفسهم المصممين على اقتحام السماء بنيل الحرية أو الموت. 

وهكذا فإن أهمية هذه الحرب تكمن في العداء الذي فجرته ضد الإمبريالية، بالنظر إلى طبيعتها الكونية. حيث يحرص القيّمون عليها على تأكيد أنها تشمل العالم كله، ومن هنا فإن المواجهة قد غدت هي أيضا أممية. 

و إذا كان قد تشكل خلال الستينات و السبعينات من القرن الماضي وعي سياسي معاد للاستعمار، لدى مئات الملايين من الناس، على هامش الحرب في فيتنام، فإن ما يحدث الآن هو جنين و ضع مشابه. 

لقد ألمحنا سابقا إلى أنه من المهمّ دوما قبل اتخاذ موقف من هذه الحرب أو تلك الوقوف على طبيعتها فـ »المسألة الرئيسية… هي تحديد الأهداف التي تجرى من أجلها هذه الحرب (أو تلك) و تحديد الطبقات التي أعدتها و قادتها » [15] . و إذا كان الهدف من الحرب على الإرهاب هو السيطرة على ثروات الشعوب و نهب خيراتها، و إذا كان من خطط لهذه الحرب هو الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاؤها، المشهود لهم بجرائمهم المرتكبة في حق الأمم المضطهدة، فإن الحرب الدائرة حاليا هي حرب غير عادلة، إنها حرب رجعية ينبغي مقاومتها. 

و إذا كان بإمكان هذه الحرب إحراز انتصارات مؤقتة، فتدمر مدنا بأكملها على رؤوس أصحابها، مثلما حصل في الفلوجة و النجف و غيرهما من مدن و قرى العراق، فإن مآلها النهائي الهزيمة، فـ « سياسة الدم الحديد يمكن أن تحرز النجاح مؤقتا (غير أنها) لا بد أن تمنى بالفشل في آخر المطاف » [16] . 

3- التقنية في خدمة الحرب 

تسارع في العقود الأخيرة نسق تطوير الأسلحة وهو ما يمكن تبينه من خلال إلقاء نظرة على جيل الأسلحة الجديدة المسيرة ذاتيا. 

و يندرج ذلك ضمن ما عرفته التقنية في مجملها من تطور، أي أن ما يصح في هذا المجال على الآلات المخصصة للحرب يصح على الآلات إجمالا، التي كان تطورها بطيئا في البداية، ثم تسارع بشكل لافت. فعندما نلقي نظرة على ذلك التطور يمكننا رسم اللوحة التالية : « المعدات البسيطة، تراكم المعدات، المعدات المركبة، تشغيل أدوات مركبة بمحرك يدوي واحد بواسطة الإنسان، شبكة آلات ذات محرك أوتوماتيكي واحد، تلك هي مسيرة الآلات » [17] . 

و بهذا فإن التكنولوجيا التي نتحدث عنها إنما تحيل إلى مجموعة الأدوات و الآلات التي يتم إنتاجها و إعادة إنتاجها بهدف تحقيق مقصد معين، و قد تطور ذلك الإنتاج كما ذكرنا من البسيط إلى المعقد، مثلما عليه الحال في عصرنا حيث الآلات الروبوتية ذاتية الحركة، و التي يتم التحكم فيها عن بعد، و هو ما ينسحب على الآلات المستعملة في الحرب، و من هذه الزاوية أضحى دارجا وصفها بالذكية. 

و التكنولوجيا العسكرية سواء من حيث إنتاجها أو الغائية المحركة لها، منصهرة عميق الانصهار في الفضاء الاجتماعي السياسي الذي تنشأ فيه و تتطور. إنها نتاج طبيعي للعلاقات القائمة بين الطبقات و بين الأمم، فقد طورت القوى المتصارعة دوما أدواتها الحربية بما يناسب مصالحها التي تمرّ في غالب الحالات عبر إخضاع الخصم و فرض الأمر الواقع عليه. 

و لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين الإنسان و الآلة بما في ذلك الآلة العسكرية على نحو أحادى، فإذا كان من الصائب القول إن البشر قد أنتجوا آلاتهم بوعي و إرادة، فإنه من الصائب أيضا القول إن تلك الآلات تستقل عنهم و تخضعهم لإرادتها، فتتحكم المصنوعات بالصانع و تمسك بتلابيبه أينما حلّ، فالآلات أصبحت تنتصب أمام الإنسان كما لو كانت قوة مستقلة عنه لا راد لجبروتها، بما في ذلك المعدات العسكرية التي تبدو و هي منتصبة في القواعد و الثكنات التي شيدت لاحتضانها، كما لو أنها تستحثّ البشر لاستعمالها. و بطبيعة الحال لا ينبغي البحث عن تفسير لهذا الأمر لدى الآلات فهي خرساء لا تقوى على الإصغاء لأسئلتنا، و إنما لدى البشر أنفسهم و العلاقات التي أنشأوها فيما بينهم. 

لقد كان للأسلحة في فترات التاريخ المختلفة آثارها السلبية، فقد سببت سقوط ملايين الضحايا، و كانت باستمرار الأدوات التي استعملتها قوى التسلط و الهيمنة لفرض سطوتها. غير أن هذا ليس إلا الوجه الأول للمسألة، أما الوجه الثاني فهو أن الأسلحة كانت أيضا أدوات لمحاربة الاضطهاد، و بالتالي لتحرير جموع غفيرة من البشر، و بعيدا عن نزعة تنزيه الإنسان و تجريم الأسلحة نقول إن الأسلحة أية أسلحة لا قيمة لها إلا في علاقة بمن يستعملها. و لكن هل يعني ذلك حياد الأسلحة؟ ! و للإجابة سنجعل السؤال يكتسي صبغة أعمّ بالإحالة على التقنية عامة فهل هي محايدة أم لا؟ ! 

لقد ذكرنا أن التقنية يتم إنتاجها في علاقة بغاية تحرّك السعي لامتلاكها، و طالما يتعلق الأمر بمقصد أو وظيفة محددة فإن ذلك معناه أن الإنتاج التقني يتمّ دائما ضمن اشتراط معين و هو تحقيق تلك الوظيفة. 

و من هذه الزاوية فإن التقنية ليست محايدة، و إنما توجهها و تطبعها المشاريع التي تضعها القوى المشرفة عليها. فوراء كل منتوج تقني مشروع وضعه هذا الطرف أو ذاك لتحقيق هدف أو جملة من الأهداف، و تلك الأطراف عينها هي التي توجه العلم و العلماء في غالب الحالات ناحية ما تروم فعله. و عندما نقرأ الشهادة التالية التي أدلى بها أحد العلماء الذين أسهموا في صنع القنبلة الذرية الأمريكية يرتسم أمامنا بشكل واضح ذلك التلازم الذي ألمحنا إليه. ففي مؤتمر آسيا و الباسفيك المنعقد غداة الحرب العالمية الثانية تحدث العالم الأمريكي جون هنتون قائلا : « لمست بيدي أول قنبلة ذرية ألقيت على ناجازاكي، و إني لأشعر اليوم بالجرم الذي ارتكبته كما أشعر بالحزن لأني قمت بدور مهم في إعداد هذا الجرم ضد الإنسانية. و لكن كيف حدث أني رضيت القيام بهذه المهمة؟ ذلك لأني كنت أؤمن بفلسفة العلم من أجل العلم الخاطئة » [18] . 

وهكذا فإن المشاريع التقنية ليست منفصلة عن المجتمع و ما يعتمل داخله من صراعات و تناقضات، فكل آلة يتم إنتاجها تحمل التاريخ الحقيقي لميلادها في ذلك القصد الذي لأجله تم صنعها، و بالتالي فهي غير مستقلة عن القوى التي أنتجتها خاصة في البداية، فهي امتداد لحاجات تلك القوى و رغباتها، نقول في البداية لأنه قد يحدث بعد ذلك انتقال تلك الآلات إلى أيدي قوى أخرى ذات مشاريع و تطلعات مختلفة. 

و بهذا فإن التقنية غير محايدة و لكن هل يعني ذلك أن الآلات هي المسؤولة عمّا يسببه استعمالها في بعض الحالات من مآسي و كوارث و خاصة خلال الحروب؟ 

إن التقنية ليست محايدة طبقا للأسباب التي ألمحنا إليها، غير أن الآلات في حدّ ذاتها ليست سبب بلاء البشر، و من يتحمل مسؤولية ذلك هو القوى التي تستعملها، و بالتالي فإن كل معارضة للتقنية بصورة مطلقة لا يكشف إلا عن جهل، كما أن توجيه اللوم إلى الآلات لا ينم عن رويّة في التفكير و إنما عن ضيق أفق. 

و المطلوب هو أن يتحول نقد التقنية إلى نقد المجتمع، فالأمر لا يتعلق بصراع بين الإنسان و التقنية، و إنما بصراع بين طبقة و طبقة و امة و امة ، و هو « صراع يتفاقم مع بروز التفاوت و تفاقمه داخل المجتمعات البشرية و بين بعضها البعض، من حيث مستوى المعرفة و الثروة و تملك العلم و التكنولوجيا، و حدود الهيمنة السياسية و الاجتماعية و الطبقية » [19] . 

و قد يكون مفيدا استحضار كارل ماركس وهو ينقد ردّ فعل العمال ضد الآلات في بدايات التصنيع بقوله « يعود تاريخ الصراع بين الرأسمالي و العامل بالأجرة إلى أصول رأس المال الصناعي نفسها، و قد اندلع أثناء العهد المانيفاكتورى و لكن الشغّيل لم يهاجم وسيلة العمل إلا عند إدخال الآلة، فقد ثار ضدّ هذا الشكل الخاص من أشكال الأداة الذي يرى فيه التجسيد الفني (التكنيكي) لرأس المال » [20] . 

وإذا عدنا الآن إلى التقنية العسكرية و الأدوات المستعملة في الحروب، لجاز لنا القول في إجابة عن السؤال الذي طرحناه في البدء، أن تلك الأدوات ليست محايدة و أن ما يصح على الآلات أجمالا يصح من باب أولى أحرى على الأدوات الحربية. فلا ينبغي أن نصبّ جام غضبنا على الآلات و إنما يجب أن ينصّب نقدنا على هؤلاء الذي يستعملونها للفتك بالبشر. 

و من هنا فإن إشكالية التقني/العسكري ينبغي أن تنزل من مستوى التهويم الفلسفي الذي يفصل المسائل عن المعيش الاجتماعي السياسي، إلى مستوى التدقيق المفهومي، حيث يحضر المجتمع بصراعاته المحتدمة، و حيث تغدو التقنية العسكرية وسيلة من الوسائل المعتمدة في ذلك الصراع. أي إن المعركة اليوم ليست ضد القنابل الذرية و البيولوجية و الكيمياوية و ما شاكلها، و إنما ضدّ الإمبريالية التي تشهر أدوات الفتك تلك في وجه شعوب الأرض كافة. 

لقد طورت الرأسمالية على الدوام الآلات في علاقة بالصراع الطبقي، طلبا للربح و مراكمة الثروات و الحيلولة دون اندلاع الثورات، أو إغراقها في بحور من الدم متى حصلت. حتى أننا « نستطيع أن نكتب تاريخا كاملا للاختراعات التي أستحدثت… لحماية رأس المال » [21] . 

و إذا كان كارل ماركس قد نظر إلى نضال العمال باعتباره دافعا يجعل الرأسمالية تطور تقنياتها، بما فيها التقنيات العسكرية، فالإمكان القول أيضا أن نضال الشعوب و الأمم المضطهدة من أجل الاستقلال و تقرير المصير قد أدي إلى وضع مشابه. 

و عندما تغدو تلك التقنيات أو بعض البعض منها مقترنة بالاضطهاد، يمكن تفهم ردّ فعل المضطهدين إزاءها، و المتمثل في تحطيمها. و عندما يلجأ المقاومون العراقيون اليوم إلى تحطيم البنية التحتية للصناعة البترولية بتفجير الأنابيب و تخريب المضخات، فإن ردّ فعلهم يندرج ضمن نضال وطني يصمم فيه الشعب على قطع الطريق أمام الغزاة، حتى لا يستفيدوا من الثروات التي جاؤوا أصلا لنهبها، و بالتالي فهم يدركون أن تلك المنشآت ليست سبب بلائهم و أن الإمبريالية هي « أفعى أوجاعهم » [22] . 

لقد عولت قوى الهيمنة في العالم باستمرار على ترسانتها العسكرية لضمان تفوقها و إخضاعها للشعوب و الأمم المضطهدة. و تبدو دولة مثل الولايات المتحدة اليوم مزهوّة بتقنيتها العسكرية وتنظر إليها باعتبارها الكفيلة بحلّ مختلف المشكلات التي تعترضها. و تعتقد أنها بتطوير أشد الأسلحة فتكا، ستجعل العالم يركع تحت قدميها. و يرقى هذا التعويل على الأسلحة المتطورة، و على التكنولوجيا عامّة، إلى مستوى « الديانة الصناعية » [23]، حيث تغدوا الآلة وسيلة الخلاص. غير أن ذلك ليس إلا ضربا من ضروب الوهم، فأصحابه يتغافلون عن حقيقة مؤدّاها أن المحدّد في الحرب ليست الأسلحة وإنما الإنسان نفسه. لذلك فإن الشعوب التي لا تمتلك أسلحة متطورة كثيرا ما لجأت إلى إبداع أشكال نضال قادتها إلى الانتصار على عدوّ يفوقها عتادا و عدّة. 

وتلك الديانة الصناعية هي التي تفسّر المعركة الضارية التي تخوضها الإمبريالية بغرض فرض الرقابة على الكثير من البلدان حتى لا تطور أسلحة مشابهة لتلك التي تمتلكها القوى العظمى، في المجالات النووية و البيولوجية. وبهذا يجري في وضح النهار احتكار التقنيات العسكرية المتطورة، فبينما تطور تلك القوى أسلحة ذات طاقة تدميرية هائلة، فإنها تمنع البلدان الأخرى من مجرد التفكير في امتلاكها. 

و المفارقة أن تلك القوى في الوقت الذي تتحدث فيه عن خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل و تلزم غيرها بالامتثال لما تسميه القانون الدولي، تضرب عرض الحائط بالمعاهدات الدولية الموقعة في الغرض، لذلك نري الولايات المتحدة وهي تتنصل من المعاهدات التي تحّد من جموحها في مجال التسلّح، فعلى سبيل المثال ألغت هذه الدولة من جانب واحد اتفاقية الصواريخ البالستية سنة 2001، و هي الاتفاقية التي وقّعتها سابقا مع الإتحاد السوفياتي حتى تصبح يدها طليقة في إنتاج صواريخ أشد فتكا ضمن مشروع حرب النجوم. كما تنصّلت من التوقيع على بروتوكول منع الأسلحة البيولوجية خلال المؤتمر الدولي المنعقد في صيف 2001 لهذا الغرض. 

ولسائل أن يسأل من المستفيد من صرف هذه الميزانيات الهائلة على تطوير الأسلحة الفتّاكة و شنّ الحروب؟ و الإجابة عن هذا السؤال جدّ مختصرة، فذلك يحصل لسبين أساسيين أوّلهما نهب ثروات الشعوب، و ثانيهما أن دوران آلة الحرب معناه استفادة الشركات الاحتكارية العملاقة التي تصنّع أدوات الفتك تلك. 

4- القيم في صفّ من؟ 

تقدّم لنا الحروب الإمبريالية ضد الشعوب و الأمم المضطهدة و آخرها الحرب الراهنة الدليل الواضح على التوظيف السلبي للقيم، حيث تبرز الإيتيقا كخادمة للعدوان، فقد حرص الإمبرياليون الأمريكيون على إظهار أنفسهم بمظهر المدافع الذي لا تلين له قناة عن الحرية و العدالة التي لا تحدّها حدود. و حاولوا أن يرسّخوا في الأذهان أنهم من أنيط بعهدته فرض احترام القيم ضدّ الهمج و البرابرة بقوة السلاح. 

غير أن الجرائم الكثيرة التي يرتكبونها و لا يبرز الإعلام إلا النّزر القليل منها، و أحيانا بفعل صدفة حسنة، أو تخطيط خبيث، مثلما حصل في سجن « أبو غريب »، حيث بلغ انتهاك كرامة البشر مستوى لا سابق له، أو قتل الجرحى و التمثيل بهم في الفلوجة تكشف المسافة بين القول و الممارسة. 

و الّلافت في فضيحة « أبو غريب » هو أن الأمريكيين هم من كشف عنها، ففي 28 أفريل 2004 نشرت مجلة النييوركر الصور المرعبة التي جابت العالم بعد ذلك. و ذكرت أنها حصلت على تقرير سرّي من ثلاث و خمسين صفحة يشير إلى الانتهاكات التي جرت في ذلك السجن، مثل الاغتصاب و التعذيب بالكهرباء و حرق الأجساد بسوائل فسفورية. 

و في البداية علّق المسؤولون الأمريكيون قائلين أن تلك الحوادث معزولة و أن القضاء سينظر في أمر مرتكبيها الذين سينالون جزاءهم. أما الجنرال مايرز فقد صرح قائلا: « ليس لي علم بالتقرير، هذا النوع من التقارير يمكن أن يكون ملفقا ». و بعد أيام قليلة بثّت قناة سي بي اس الأمريكية الصور الذي تظهر السجناء العراقيين و هم يتعرضون لأبشع أنواع التنكيل على أيدي جلاديهم. 

و بينما كانت الأنظار مشدودة لما حصل على أيدي الجنود الأمريكيين، كانت المفاجأة الثانية عندما نشرت جريدة الدايلي ميرور صورا تبرز معاناة سجناء عراقيين على أيدي ضبّاط بريطانيين، و مثل نظرائهم الأمريكيين صرّح المسؤولون البريطانيون أن الصور قد تكون مفبركة ! فهل ما حدث في « أبو غريب » غريب؟ الإجابة هي قطعا لا فسجلّ الإمبرياليين الأمريكيين و البريطانيين و المستعمرين عامة، حافل بمثل هذه الفظائع. بل إن ما حدث يندرج ضمن توجه عام للعسكرية الأمريكية، يقوم على إلحاق أكبر أذى ممكن بالخصم، بتدميره ماديا و معنويا وبثّ الخوف و الهلع بين صفوفه ، و إقناع كل من تحدّثه نفسه بالنسج علي منواله بأنه سيلقي المصير ذاته . 

و إذا كان المسؤولون الأمريكيون الكبار يؤكدون مثلما أسلفا أن ما حصل هو حوادث معزولة، فإن الحقيقة غير ذلك، فتعذيب ضحايا سجن « أبو غريب » مثّل جزءا من الحملة العسكرية التي بدأها الجيش الأمريكي في ديسمبر 2003، و أطلق عليها اسم « المطرقة الحديدية »، وقادها الجنرال جيري بوكين أشد الجنرالات الأمريكيين فاشية، و صاحب السّمعة السيئة في مواجهة الثوريين في أمريكا الجنوبية و خاصّة في كولومبيا و البيرو فهو الذي أشرف على عمليات التعذيب و استقدم للغرض ضباطا إسرائيليين مثلما أشارت إلى ذلك تقارير صحفية. 

و أمام المدى الذي أخذته الفضيحة، تمّ نشر تقرير أنطونيو طاجوبا (Antonio Taguba)، و ما يدعو للسّخرية هو تلك الاستنتاجات التي خلص اليها فقد فسّر تلك الفظاعات باختلاف الثقافات و محدودية التوجيه الذي يتلقاه الجنود، مما يفسّر عدم تقيّدهم بأحكام اتفاقيات جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب حسب زعمه. 

و إذا كنّا نعرض في هذا المقام للجانب الأخلاقي في الحرب الدائرة حاليا، فإن ما ينبغي تأكيده أن تلك الصور قد كشفت و بشكل مكثف عن ذلك الكم الهائل من الشرور و الرذائل و الهمجية و الجرم الذي تختزنه الإمبريالية الأمريكية و نظيرتها الإنكليزية. أما ما رفعه الغزاة في بداية الحرب من شعارات أخلاقية، مثل عدالة بدون حدود و حرية العراق، فإنه قد انتهى إلى الإفلاس و لم يعد يقنع أحدا، فمن بإمكانه أن يصدّق الهراء الإمبريالي حول الأخلاق بعد تلك الصور التي يبدو فيها سجين ويداه مشدودتان إلى خيوط كهربائية، و آخر و قد ربط رسن إلى عنقه بينما تقوم جندية بجره، وثالث مقيّد قبالة كلب يتأهّب للانقضاض عليه، و رابع و قد كتب على مؤخرته : أغتصب، و مجموعة من السجناء و قد رصفوا فوق بعضهم البعض في شكل هرم، و هم عراة بينما يظهر في خلفية الصورة جلاّدة و جلاّد و هما يبتسمان بصادية تعبّر عن استمتاعهما بما يحدث، أو تلك الصور التي تظهر جنديا بريطانيا وهو يتبوّل على سجين عراقي. 

لقد زعم هؤلاء الغزاة في بداية الحرب أنهم ذاهبون إلى العراق و أفغانستان و غيرهما من البلدان للدفاع عن قيم كونية مهددة، و أمام الذي حصل و يحصل بإمكاننا اليوم القول أنك إذا شئت أن تعرف حقيقة أخلاق الإمبرياليين فما عليك إلا أن تقلب ما يقولونه إلى نقيضه. 

إن ما وقع على هامش تلك الصور، هو فشل إستراتيجية الرقابة على الصور التي اعتمدها الأمريكيون غداة الحرب الفيتنامية. فقد ساد زعم لدى عدد من كبار العسكريين الأمريكيين مؤدّاه أن الهزيمة التي منيوا بها، سببها عدم السيطرة على الصور التي كانت تنقل الفظاعات التي ارتكبوها في ذلك البلد، مثل تلك الصورة الشهيرة لفتاة صغيرة و هي تجري عارية و النيران تلتهم جسدها، بعد قصف الطائرات لقريتها بقنابل النابلم المحرّمة دوليا. 

وقد نجح الإمبرياليون الأمريكيون في حروبهم الأخيرة جزئيا في تنفيذ هذه الإستراتيجية، فبينما سقط عشرات الآلاف من الضحايا، فإن صور الجثث حجبت. غير أن ما أفصحت عنه فضيحة « أبو غريب »، هو أن تلك الإستراتيجية قابلة للاختراق، و أن الحجّة بالصورة التي برعوا فيها لتمرير دعايتهم، ترتدّ اليوم على الإمبريالية نفسها و تصيبها في مقتل. 

ويحاول هؤلاء محو تلك الصور من الذاكرة بكل قواهم، و للغرض نظّموا مسرحية محاكمة الجنود المتورّطين في عمليات التعذيب. غير أن الأحكام الصادرة كانت مثيرة للسخرية، و قد صرّح روبرت غولدمان أستاذ الحقوق بجامعة واشنطن بنبرة تهكّمية قائلا : « في أمريكيا يمكن إن تواجه أحكاما أشد قسوة لأنهم عثروا على القليل من الماريجوانا لديك » و هكذا فإن الإمبريالية التي تتغنّى بحقوق الإنسان و تزعم الدفاع عن أسمى القيم لا تفعل في حقيقة الأمر غير توظيف تلك الشعارات لصالحها، و استعمالها كوسائل لخداع البشر. و في حال واجهت المقاومة من قبل مضطهديها فإنها ترمي بتلك الشعارات جانبا فتبدو على حقيقتها كقوة فاشية منفلتة من أي عقال. 

و عندما يصل هؤلاء إلى هذا الدّرك من الانحطاط فإنهم لا يتوانون عن مطالبة الجميع بالخضوع لإرادتهم، مثلما يحصل الآن، فيتلاعبون بما حقوقي، مستصدرين قوانين جديدة، و مقدّمين تأويلات لا سابق لها لقوانين قديمة. و المّهم بالنسبة لهم هو فتح بوابات العالم جميعها أمام جبروتهم، يقول شومسكى في توصيف ذلك : « إن القوة المهيمنة لا تكتفي بالإعلان عن سياستها الرسمية، بل إن عليها أن تؤسّسها كعرف جديد من أعراف القانون الدولي… و من المعروف أن أحدا لا يستطيع أن يؤسس أعرافا جديدة، و يجري تعديلات على القانون الدولي، غير هؤلاء الذين يشهرون مسدّساتهم » [24] . 

و لا تفتضح تلك الازدواجية و ذلك التناقض في تعامل هؤلاء مع ما هو قيمى في أعين المضطهدين فقط. و إنما أيضا في أعين عدد متزايد من الجنود الأمريكيين أنفسهم، الذين يتركون ساحة المعركة و يرفضون المشاركة في تلك الحرب. ففي عالم الإمبريالية « هذا العالم المقلوب واقعيا رأسا على عقب، يكون ما هو حقيقي لحظة من لحظات ما هو زائف » [25]. إنه العالم الذي يستثمر فيه الجلاد جريمته و قد افتضحت، فيؤقنم ضحاياه مؤكدا أنه لو لم يكن ديمقراطيا ما نشرت تلك الصور، إنها الحجة بالسّلب هذه المرة، و المهم هو أن لا يفلت الرأي العام من تأثير الدّعاية التي تحوّل الحقيقة إلى زيف و الزيف إلى حقيقة. 

و لإدراكهم لمركزية القيم في الحرب الراهنة، ركّز هؤلاء دعايتهم في اتجاه التأكيد أنهم ضامنها الوحيد، بل إنهم و وظفوا حتى الله لصالحهم، فالله في صفّ أمريكا. لأجل ذلك مارست القيم حضورا بارزا في خطابهم الدعائي. غير أنه في معمعان المعارك يتبدّى للعيان شيئا فشيئا أن الفضائل ليست في صفّهم، و إنما في صفّ مٌضطهديهم الذين يموتون في سبيل أن تحيا أوطانهم، و هل هناك من قيمة تعلو على هذه التضحية؟ أما الغزاة فإن القيمة الوحيدة التي ينشدونها، هي الربح و المزيد من الربح، حتى لو كان ما يحصلون عليه من ثروات مغموسا في دماء ضحاياهم. 

و على هذا النحو فإن من بين المجالات التي تتجلّى فيها أزمة الإمبريالية، المجال القيمى، فقد غدت بعد الذي حصل في فيتنام و يحصل الآن في العراق و فلسطين و أفغانستان، مجرّدة من أية فضيلة، لذلك يجب أن ينظر إلى كل هذا الضجيج حول الحرية و العدالة باعتباره اعترافا بالافتقار إلى القيم، من جانب قوة مسلحة حتى أسنانها بالتكنولوجيا العسكرية المتطوّرة، غير أنها عارية من أية قيمة أخلاقية خيّرة، فما تمارسه يسير تماما في خط مواز لما هو قيمى، فمن الحروب الدموية التي تشنّها، إلى جرائم التعذيب ضد ضحاياها العزّل، ترتسم معالم لوحة قاتمة السواد تشير إلى المسافة التي قطعتها في سراديب الهمجيّة. 

إن المستوى الإيتيقي الذي نطرقه هنا يحيل ضمن ما يحيل عليه إلى جملة من المفاهيم، و قد أجادت الإمبريالية خلال السنوات الأخيرة خلط الأوراق على هذا الصعيد، فصنعت مخابرها الإيديولوجية ما شاءت من المفاهيم الجديدة، و لوت عنق مفاهيم قديمة، لكي تنطقها بالدلالات التي تريدها. و سنقدم فيما يلي البعض من تلك المفاهيم، و نبيّن بإيجاز كيف وظّفت في المعركة الدائرة راهنا، فعلى سبيل المثال سوّق الإمبرياليون حروبهم تحت عنوان محاربة الأنظمة الشموليّة، و كثيرا ما جرى استعمال هذا المفهوم للحطّ من شأن النظام السياسي البديل ممثلا في الاشتراكية. و تورّط الكثير من المفكرين في فخّ استعمال هذا المفهوم، و الآن يعلّق بعضهم على ذلك بالقول : « على الرغم من أن المعاني التي تمّ إضفاؤها على كلمة الشمولية خلال فترة الحرب الباردة كانت وسائل دعائية مفيدة، فإنها بقيت أدوات تحليلية غير ملائمة كليا، و أفضت في كثير من الأحيان إلى اعتماد أساليب تفتيشية بشعة و آراء أخلاقية مدمرّة، إن العديد من رفوف مكتباتنا الملأى بالتحليلات التي تتناول النزعة الشمولية لا تثير إلا الإحساس بالخجل و يمكن رميها بعيدا دون تردّد » [26] . 

كما وظفت مفاهيم أخرى مثل « الاختلاف » و « الآخر »، حيث عقدت الندوات، و ألفت الكتب. و كان المقصد غير المعلن دفن مفاهيم مثل التناقض، و الصراع، و الثورة، و تبارى المثقفون التقليديون في الشرح و التحليل، فالاختلاف يحتم التعايش في القرية الكونية، بعيدا عن ضروب الصراع. و عوضا عن الحديث عن التناقض بين البرولتاريا و البرجوازية و الشعوب و الأمم المضطهدة من جانب، و الإمبريالية من جانب آخر، يجرى الحديث عن مجرد اختلاف في الثقافات، لتذويب تلك التناقضات و استئصالها من أذهان الناس، و تحطيم عقولهم. كما طال الهجوم مفهوم التقدم و الهوية في محاولة لتجريد المضطهدين من أية قيمة و أي حلم يمكن أن يجمع بينهم. 

و على هذا النحو فقد شمل الهجوم و القيم و الحقوق، و كل ما له صلة بالمقاومة و الثورة، و الهدف هو إشاعة تفكير ينعدم فيه أي انتماء طبقي و وطني، و الإمبرياليون على وعي بان ذلك سيؤدي في حال نجاحه، إلى بروز كيانات إنسانية مفرغة من أية قيم، أي إننا سنكون في آخر المطاف أمام أفراد منعزلين مشتتين لا شئ يوحد بينهم. 

لهذه الاعتبارات كان العمل الممنهج و المنسق كما بينّا، لتدمير الهويّات الطبقية و الوطنية بشتّى السبل، و المفارقة أن الإمبريالية و هي تقوم بهذا الصنيع، تستدعى هويات مندثرة، أو تصنع طوائف مغلقة، و تشكيلات اجتماعية زائفة، لتحطيم الهويّات القائمة. و في الظاهرة يبدو الأمر سليما أخلاقيا، فالشعار المرفوع هو الدفاع عن حق الأقلّيات في الوجود، و تقرير المصير، و أن تنعم بالأمن و السلام، أما واقعيا فإن البوابة الأخلاقية مجرد مدخل قبل أن تتكلم المدافع، فتقوّض بلدانا و تفكّكها بهدف السيّطرة عليها. 

إن المواطن العربي المقهور يعي ذاته اليوم من خلال صور العار في « أبو غريب »، باعتباره ينتمي إلى أمة يطحنها الاستغلال و الاضطهاد و الهيمنة. و في حقيقة الأمر فإن الفظائع التي نقلت البعض منها تلك الصور لا تكاد تتوقف برهة من الزمن، إلا لكي تواصل إيقاعها الحزين من جديد. 

و ليس هناك من سبيل أمام الأمة العربية لتحطيم قيودها، غير إعلان الحرب على الحرب الإمبريالية، و مواجهة إيتيقا الغزو بإيتيقا المقاومة و الثورة، أي ايتيقا متمركزة حول غايات أخلاقية كبرى، مثل الكرامة، و الشجاعة، و العدل، و الحرية، و الدفاع عن الأرض و الوطن، و الثقة التامة في النصر ، و اعتماد العقل النقدي سلاحا لفهم المشكلات و حلها مهما بدت عويصة ، و الوهم كل الوهم أن نعتقد أن لهذا السلاح بديلا ينوب عنه ، حتي لو بدا ذاك البديل في ثوب ما باركته السماء . 

حواشي 

[1] ديكارت، المنهج لإحكام قيادة العقل، ترجمة و مراجعة فواز الملاح و محمود الصالح، دار النشر غير مذكورة، الطبعة الأولي، دمشق 1988، ص 26. 

[2] م ن، ص 25 . 

[3] Kant, projet de paix perpétuelle, trad. : Jules Barmi, revue par A.
La Gard. Hatier.
Paris 1988 p48
 

[4] م ن، ص 49 

[5] نيتشه، أصل الأخلاق و فصلها، ترجمة حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر، الطبعة الثانية ، بيروت 1983، ص 29. 

[6] م ن ، ص 40 

[7] م ن ص، 40. 

[8] ابن رشد الشرح الأوسط لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، ورد ضمن : Louis Lazard. L’éducation politique selon Ibn Roshd, in : Studia Islamica LII, Maison neuve / Larose Paris 1980, P 141

[9] أنجلس، حول حرب العصابات، ضمن كتاب الماركسية و حرب العصابات، ترجمة ماهر الكيالي و إبراهيم العابد، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، الطبعة الثانية، بيروت 1978، ص 14. 

[10] م ن ص ن 

[11] ماركس/ أنجلس، البيان الشيوعي، دار التقدم موسكو، بدون تاريخ ، ص 55. 

[12] ماركس/ أنجلس، فن الثورة المسلحة، ضمن كتاب الماركسية و حرب العصابات، م س، ص 9. 

[13] كلاوز فيتس، في الحرب، دار الكتاب العربي، القاهرة بدون تاريخ ص 98. 

[14] Kant, projet de paix .op cit, p 100 

[15] لينين، نصوص حول المسائل العسكرية ترجمة الهيثم الأيوبي، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت 1972 ، ص 263. 

[16] أنجلس، دور العنف في التاريخ، ضمن: ماركس / أنجلس منتخبات في ثلاثة مجلدات، المجلد 3 ، الجزء 2، دار التقدم، موسكو1981، ص 233. 

[17] ماركس، بؤس الفلسفة، دار الفارابي، الطبعة الثانية، بيروت 1981، ص 124. 

[18] جورج بوليتزار، أصول الفلسفة الماركسية، ترجمه شعبان بركات، المكتبة العصرية، صيدا / بيروت، بدون تاريخ، ص 55. 

[19] محمود أمين العالم، تأملات تمهيدية في المسألة التكنولوجية، مجلة الفلسفة و العصر، العدد الثاني، القاهرة 2002 ، ص 14. 

[20] ماركس، رأس المال المجلد II ، مكتبه المعارف ، ببيروت 1981 ، ص 605. 

[21] م ن، ص 618. 

[22] العبارة لهاينه، أوردها ماركس في كتابه : رأس المال للإشارة إلى الرأسمالية. 

[23] العبارة لدوبريه، أنظر كتابه محاضرات في علم الإعلام العام، ترجمة فؤاد شاهين وجورجيت الحداد، دار الطليعة ، الطبعة الأولى، بيروت 1996، ص 48. 

[24] شومسكى، الحرب الوقائية أو « الجريمة المطلقة »، المستقبل العربي، العدد 297 الشهر 11، بيروت 2003، ص 38. 

[25] جي ديبور، مجتمع الفرجة، ترجمة أحمد حسان، دار شرقيات، الطبعة الأولى، القاهرة 1994، ص 10-11. 

[26] هارت ونيغرى، الإمبراطورية، تعريب فاضل جتكر، مراجعة رضوان السيد، مكتبة العبيكان الطبعة الأولى،الرياض2002، ص 56 هامش رقم 1. 



أشباه البروليتاريا أو جيش العمل المعطل
15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

 

يستعصي مفهوم « المهمّشين » على الضبط الدقيق، فهو يحيل إلى فئات واسعة يمكن أن تختلف الطبقات التي تنتمي إليها اختلافا بيّنا، كما يمكن أن تتعدّد المعايير التي يتمّ وفقها توصيف هذه الفئة أو تلك باعتبارها مهمّشة.

وفضلا عن ذلك فإنّ ظاهرة المهمّشين لا تكاد تخلو منها هذه المرحلة أو تلك من المراحل التي اجتازها تاريخ الصراع بين البشر، فبين العبيد القدامى وأقنان العصر الوسيط وبروليتاريا العصر الحديث، هناك سمة مشتركة تعدّ وجها من وجوه الاستغلال والقهر، وهي تهميش قطاعات واسعة من الناس من قبل النظام الاقتصادي والسياسي المهيمن.

يفرض الطغاة على شعوبهم التهميش عمدا، ويفرض الامبرياليون على الأمم المضطهدة الأمر نفسه، وتفرض الطبقة الأقوى التهميش على الطبقة الأضعف، وهذا قانون عامّ فالتهميش يخترق المجتمعات الطبقية من أقصاها إلى أدناها، ولا يمكن تصوّر وجود إمبريالية بدون هامش ولا برجوازية دون هامش ولا إقطاعية دون هامش ولا أسياد دون هامش، ومعالم ذلك تغطّي تاريخ البشرية. وسواء تمّ تناول العلاقة بين المقهورين وقاهريهم على نطاق خارجيّ أو داخليّ، فإننا نكون إزاء مركز وهامش تتحكّم بعلاقتهما تناقضات أساسية، وإنكار التضادّ بين هذين القطبين ليس سوى حذلقة فكرية لا تصمد أمام وقائع الحياة العنيدة، وثورات المهمّشين وانتفاضاتهم برهان على ما نقول. ومن ثمّة فإنّ دراسة ظاهرة المهمّشين تحظى بأهمية كبرى ليس فقط من ناحية تفسير تاريخ المجتمعات الإنسانية، وإنما أيضا من زاوية مطلب التغيير الاجتماعي.

ولا نبتغي هنا الحديث عن التهميش كفعل اختياريّ وإنما باعتباره اضطرارا، بل إننا نرى أنّ ما يبدو اختيارا يخفي في صميمه اضطرارا لا تخطؤه العين المتفحّصة، كما لا نبتغي التقيّد بالدلالة الواسعة للظاهرة حيث الأصناف الاجتماعية التي تتمرّد بحسب البعض على التصنيف الطبقي، وإنما نتعامل مع المفهوم في دلالته الضيّقة التي تحيل إلى جموع العاطلين والنازحين والباعة المتجوّلين وماسحي الأحذية والمتسوّلين والقوّادين والبغايا وأطفال الشوارع الذين يصطلح على تسميتهم بـ: البروليتاريا الرثّة وأشباه البرولتاريا وما تحت البروليتاريا، وهم من اعتبرهم كارل ماركس في كتابه الصراعات الطبقية في فرنسا كتلة من البشر مختلفة تماما عن البروليتاريا الصناعية، تعيش على هامش المجتمع دون مهنة محدّدة. وتعاملنا مع المفهوم على هذا النحو تفرضه مقتضيات منهجية، غايتها حصر مجال حديثنا حتى لا نتيه في دروب وعرة لا يسمح المقام بارتيادها.

يتعرض المهمّشون الذين نعنيهم هنا إلى شتّى صنوف القهر والإذلال، يدفعهم المركز إلى الأطراف، إنّه في حاجة إليهم فقط كموضوع للاستثمار، ينظر إليهم كشرّ مطلق، ولكنه شرّ لا بدّ منه بالمعنى الاقتصاديّ على وجه التحديد، فهؤلاء يمثّلون كتلة من البشر يسهل استثمارها دون رقيب، فيجري تشغيلهم لبعض الوقت في أشدّ المهن وضاعة، والتخلص منهم بيسر متى انتفت الحاجة إليهم، إنهم بحسب عبارة كارل ماركس جيش احتياطيّ للعمل، يتكدّس في أحزمة الفقر الحمراء الممتدّة حول المدن حيث يتزاحم المــــــعذّبون في الأرض ويتدافعون.

تخضع الدولة المهمّشين إلى الرقابة، وقبل ذلك تصنعهم صناعة، فالتهميش وظيفة من وظائفها، تتوجّس منهم خيفة بشكل دائم، وهذا يصحّ على الدولة عامة، ولكنها في البلدان المتخلّفة تستعملهم كفزّاعة على نحو مزدوج، تستعملهم ضدّ المرفّهين في الداخل وضدّ المركز الامبريالي في الخارج، فهي من يتولّى ضبطهم، وإلا فإنّ أحياء الرفاهة سيصيبها شرّهم، وإذا لم تحل بينهم وبين المراكز الامبريالية فإنّهم سيتدفّقون عليها عبر البحر غير آبهين بالمخاطر التي تهدّدهم، فحياتهم مثل مماتهم.

تجد الدولة في المهمّشين ضرورة من ضرورات بقائها، تستثمرهم ما وسعها ذلك، تتغاضى حينا عن الأنشطة الاقتصادية الموازية التي يتعاطونها ، بل ربّما سيطرت عليها وأدارتها عبر بارونات الفساد والجريمة المنظمة، وبين الفينة والأخرى تستعرض بطولاتها ضدّهم، إنها تبحث لنفسها عن شرعية أمنيّة من خلالهم، فتكثّف حملات الدهم والتثبت في هوياتهم ومطاردتهم في الشوارع والأزقّة، وترحيلهم إلى قراهم النائية وبلدانهم الأصلية متى كانوا من النازحين البائسين والمهاجرين غير المـرغوب فيهم، وسجن أو نفي من تراه مزعجا في المعـــازل والمحتشدات والثكنات.

وفضلا عن ذلك تلجأ إلى وسائل أكثر تأثيرا في السيطرة عليهم فتبذر بينهم العداوة، مصدّرة أزمتها إليهم، وهكذا فإنّه عوضا عن انفجار الصراع بين الهامش والمركز ينفجر في الهامش ذاته، فيتقاتل المهمّشون فيما بينهم حول القضايا الزائفة مثل الكفر والإيمان والطائفة والمذهب، ويتخاصمون حول الفريق الرياضي المفضّل والسيطرة على هذا أو ذاك من مجالات النشاط الاقتصادي الهامشي، فيستشري بينهم عنف مدمّر يتّجه نحو الذات فيمزّقها إربا.

والدولة / المركز بارعة في زرع بذور الشقاق بينهم، فكلما فرقتهم سادت عليهم. وربما احتاجت لجهودهم في أوقات الأزمة فتوظّفهم في معاركها الوهمية بحثا عن شرعية مفقودة، والمثال على ذلك ما حصل خلال المواجهة الكروية بين مصر والجزائر، إذ وجد المعطّلون والمفقّرون ـ بالإضافة إلى أصناف اجتماعية أخرى ـ أنفســهم وهم يتماهون مع الدولة ورموزها ويعسكرون في الخندق الأوّل لاستعادة الكرامة الوطنية المجروحة، والدولة تنقلهم بطائراتها وتصرف عليهم من خزانتها وهي ترمقهم بابتسامة ماكرة.

وعندما تؤكّد الدولة على إدماج هؤلاء في النسيج الاجتماعي لا ينبغي تصديقها، فالواقع يقول العكس حيث لا تفتأ أعدادهم في تزايد، ومع تطوّر التناقضات الاجتماعية فإنّ جحافل ممّن كانوا في المركز يجدون أنفسهم شيئا فشيئا وقد أصبحوا في الهامش. ويتحسّر الآباء والأجداد على سابق الأيـــــام وهم يشهدون المصير الذي آل إليه أحفادهم، الذين لا بيت يؤويهم ولا لقمة عيش تسدّ رمقهم ولا شغل بين أيديهم.

وبالإضافة إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعيّ، فإنّ الجانب النفسيّ مهمّ في مقاربة وضعيه البروليتاريا الرثّة، حيث نجد شعورا جارفا بالإحباط، ففي عالم الاغتراب المعمّم يقوى ذلك الشعور لدى هذا الصنف بشكل خاص، إذ تتحوّل الحياة اليومية إلى مناحة، إنها كابوس لا مهرب منه سوى التضحية بالحياة نفسها، فيفتقد الأمل ويُوأد الحلم مبكّرا، ويتصاعد الإحساس بالوحدة، ويزحف الجليد على العلاقات بين هؤلاء المهمّشين ومحيطهم فيشعرون أنهم تركوا لمصيرهم دون سند، وتتالى الخيبات والانكسارات فنكون إزاء إنسان مهزوم يبحث عن ذاته داخل أسوار ما تفتأ تتّسع وتعلو فلا يجدها، تضيق به السبل وتُسدّ أمامه المنافذ فلا ينتظر غيضه المكتوم غير قادح بسيط لكي ينفجر.

وهؤلاء لا يمكن للنقابة أن تجمعهم ولا للحزب السياسي أن يستهويهم، ولا للجمعيات أن تستوعبهم، إنهم جسم يستعصي على الضبط، وغالبا ما تؤثر فيهم الشعارات التعبوية العامة وخاصة الدينية والشوفينية والعرقية والطائفية لذلك تجد فيهم الجماعات الفاشية فريسة سهلة، وفي البلاد العربية مثلا نجدهم في صفوف جيش المهدي أو السلفية الجهادية، كما أن بعض المهاجرين في أوربا و أمريكا يجدون في القاعدة تعبيرا عنهم.

غير أنّ هؤلاء يمكنهم أيضا لعب دور مهمّ في الثورة مثلما تدلّل عليه الحالتان الصينية والجزائرية على سبيل المثال، ففي الصين أدرك ماوتسي تونغ الطابع المزدوج الذي يسم البروليتـاريا الـــرثّة في علاقتها بالثورة، فقد كتب يقول : « إن وضعية الصين كمستعمرة وشبه مستعمرة قد أوجدت جمهورا كبيرا من العاطلين عن العمل في أرياف الصين ومدنها، وقد اضطر كثير منهم لحرمانهم من الوسائل الشريفة لكسب أرزاقهم إلى ممارسة أعمال غير شريفة لكسب قوتهم، ومن هنا وُجد قطاع الطرق والصعاليك والشحاّذون والعاهرات وكثيرون من محترفي الأعمال الخرافية. إنّ هذه الفئة الاجتماعية هي فئة متذبذبة، فإنّ جزءا منها يمكن أن تبتاعه القوى الرجعية بسهولة، في حين أنّ الجزء الآخر يمكن أن ينضمّ إلى الثورة، وهؤلاء الناس تنقصهم روح البناء، وهم أقدر على التخريب منهم على البناء، وإذا ما انضموا إلى الثورة فإنهم يصبحون مصدرا لنزعة العصابات المتنقلة وأفكار الفوضوية في الصفوف الثورية، فينبغي إذن أن نعرف كيف نعيد تكوينهم وأن نحذر من نزعتهم التخريبية » ماو، المؤلفات المختارة، المجلد الثاني، ص 450، وقد تحدّث ماوتسي تونغ عن الأساليب التي اعتمدها هؤلاء في النضال ضد مضطهديهم، كاشفا عما يمكن أن يؤول إليه الانفجار الذي أشرنا إليه آنفا، فكتب يقول واصفا ما سمّي بحركة الرعاع في الريف غداة بعض الانتصارات التي حققتها الثورة سنة 1927 في عدد من مناطق الصين : « إنّ جميع الذين كان الوجهاء يحتقرونهم ويمرغونهم في الوحل والذين كانوا لا يحتلون أي مكان في المجتمع ولم يكن لهم الحق في الكلام قد رفعوا رؤوسهم فجأة وعلى غير انتظار، لم يرفعوا رؤوسهم وحسب بل أمسكوا زمام السلطة… لقد رفعوا أياديهم السمراء الخشنة وأنزلوها على رؤوس الوجهاء، إنهم يوثقون الوجهاء الأشرار ويضعون على رؤوسهم الطراطير الورقية، ويسحبونهم بالحبال ويطوفون بهم في المواكب في أرجاء القرى « ماو، تحقيق عن حركة الفلاحين في خونان.

وفي الجزائر يعدّ « علي لابوانت » نموذجا لهذا الصنف من المهمّشين، فقد كان في بداية حياته قوّاد بغايا لا يكاد يفارق السجون، وباحتكاكه بالثوريين اختار طريق الكفاح الوطني فأبلى البلاء الحسن، وقد ألقى الضوء على تجربته المخرج الشيوعي الايطالي جيليو بونتكورفو في شريطه « معركة الجزائر » الذي تناول فيه مقاومة « علي لابوانت » ورفاقه للمظليين الفرنسيين من الكتيبة العاشرة بقيادة الجنرال جاك ماسي، الذين صدرت لهم الأوامر بالقضاء المبرم على الفدائيين في حي القصبة سنة 1957 باستعمال كل الوسائل المتاحة لهم دون رحمة، وقد أبرز الشريط شخصية « علي لابوانت » المهمّش السابق وهو يقاوم المستعمرين بضراوة ودون أدنى مساومة، مصمّما على الموت رافضا الاستسلام قبل أن يستشهد بكرامة في ساحة الشرف الثوريّ.



جون لوك ومبدأ التسامح
15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

يعد جون لوك من بين رموز الفل
سفة السياسية في انكلترا خلال القرن 17، ولم يكن انشغاله بتحليل الظاهرة السياسية والوقوف على مضامينها وأبعادها منفصلا عن الأحداث الاجتماعية السياسية الكبرى التي عاصرها، فقد كان شاهد عيان على الصراع الضاري بين السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان من جهة والسلطة التنفيذية ممثلة في الملك من جهة ثانية، والحرب الأهلية التي انطلقت في انكلترا سنة 1640 وتطور الأحداث بعد ذلك إلى حد إعدام الملك سنة 1649 وإعلان الجمهورية.
غير أن الأمور لم تلبث أن سارت في اتجاه معاكس، ففي سنة 1660 أعيد الاعتبار للملكية، ورغم ذلك طرح على بساط الدرس المشكل الحقوقي المتصل بتحديد القوانين الدستورية التي على أساسها تمارس السلطة السياسية وظيفتها، واكتسب هذا الأمر مشروعية خاصة في ظل وضع مأزوم انتشرت فيه الجماعات الدينية التي أشهرت النصوص الدينية في وجه القوانين والتشريعات البشرية / الدنيوية مما طرح بحدة إشكالية علاقة الدين بالسياسة.
ومثلما ذكرنا فان لوك كان منخرطا في الأحداث السياسية، بل انه تقلد مناصب سياسية مهمة، وانخرط في حزب ليبرالي سري واتخذ لنفسه اسما مستعارا ، ولجأ إلى بلد آخر هربا من الملاحقة والاضطهاد، وبذلك فانه عايش تموجات واقعه السياسي بأغلب تفاصيله، ومن ثمة فإن إدراكه لضرورة دراسة المسالة السياسية من زاوية فلسفية كان كبيرا.
وتندرج نظريته السياسية ضمن فلسفات العقد الاجتماعي فهويعتبر أن الناس قد عاشوا في البدء في الحالة الطبيعية، حيث لم تكن هناك قوانين ولا دساتير، مما يتطلب المضي في اتجاه تأسيس الحالة المدنية التي يجب أن تنتظم وفق سلطة القوانين وحدها، وهوبذلك يشغل موقعه ضمن كوكبة من الفلاسفة الذين اصطلح على تسميتهم بفلاسفة العقد الاجتماعي أمثال روسووهوبس وسبينوزا. 
وبمناداته بالأخذ بالعقد الاجتماعي، فانه قد اتخذ موقفا مناهضا للملكية المطلقة، فهويمنح الشعب الحق في عزل حكامه إذا ما اقتضت الحاجة ذلك، ويجعل من المجتمع المدني سلطة موازية للمجتمع السياسي ( السلطة السياسية ).
وهو يؤلف بين سلطة القوانين وسلطة الأخلاق، فالفرد لا يخضع للعقد بفعل القوانين وحدها وإنما بفعل القناعة الأخلاقية أيضا، كما أنه لا يعتبر الفصل بين السلطات كفيلا وحده بضمان سيرورة جيدة للحياة السياسية، وإنما يجب أن يضاف إلى ذلك العمل بمبدأ التسامح ، لأجل ذلك يرى في الفصل بين الدين والسياسة أمرا لا غنى عنه وهذا ما تكشف عنه رسالته في التسامح، فقد أرجع الكثير من المشكلات السياسية إلى التعصب الناشئ عن الخلط الفاضح بين الدين والسياسة ، وبالتالي إلى غياب التسامح، فهو مع الرأي القائل أن يختار كل واحد طريقه إلى السماء بحرية، فالنزاع المذهبي يبذر الفرقة والانقسام داخل المجتمع ويحكم عليه بالهلاك.
وفي كتابه  » رسالة في التسامح  » ينزع عن الحاكم صفة الآمر المطلق، ويحصر سلطاته ويقيدها حيث يري انه لا ينبغي أن يتدخل إلا في ما يضمن السلام المدني وعليه أن يمنح الناس حرية الاعتقاد فالحاكم ليس له حق التدخل في هذا المجال، فالدين أمر يخص الفرد وحده، وهو علاقة شخصية بينه وبين الله إذ  » أن حقوق وسلطة السلطة المدنية تنحصر في المحافظة على الخيرات وتنميتها خصوصا دون غيرها، ولا ينبغي أو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى نجاة النفوس  » جون لوك، رسالة في التسامح ترجمها عن اللاتينية عبد الرحمان بدوي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 1988، ص 70.
وهو يري أن الدين لم يوجد لكي يحفز الناس علي التباغض والاقتتال وسفك الدماء، وإنما وجد لكي يجعلهم متضامنين فيما بينهم متسامحين مسالمين، بل انه يذهب إلى أكثر من ذلك فالتسامح ينبغي أن يكون المثل الأعلى للكنيسة نفسها قائلا : » إن الدين الحق لم يوجد للفخفخة المظهرية ولا لسيطرة الاكليروس ولا للعنف بل وجد لتنظيم حياة الناس وفقا للفضيلة والتقوى  » المصدر نفسه ص65.
وإذا كان هناك من حرب ينبغي إعلانها وشنها دون هوادة، فهي برأيه تلك التي يشنها المرء على رذائله وخطاياه، أما علاقة الناس فيما بينهم فيجب أن تتأسس علي المحبة المتبادلة ، ولا ضرر في أن يبدي الناس آراءهم بحرية لذلك ينبغي الإقلاع عن تكفير الناس واتهامهم بالهرطقة.
وبهذا يقلب لوك الأساس الذي يقوم عليه الإيمان الدارج ، فذلك الأساس لا ينبغي أن يكون تكفير الآخرين والانتصار لهذه الطائفة أو تلك وإنما مجاهدة النفس والتغلب علي الرذائل، أي إنه يحول هدف الحرب من الخارج إلى الداخل، من حرب بين الناس إلى حرب بين الإنسان وذاته، وعندها يصبح الإيمان أمرا شخصيا لا تتدخل فيه أي قوة خارجية، انه علاقة يقيمها المؤمن مع الله بكامل الحرية، والدولة نفسها لا ينبغي أن تفرض الدين / العقيدة علي مواطنيها فالسياسة مجالها الشأن المدني، والدولة معنية بالحفاظ علي ثروات الناس والذود عن حقوقهم أما ما يخص الإيمان فهو شأن شخصي / فردي ليس للدولة أن تتدخل فيه، فالله لم يفوض الدولة مهمة فرض هذه العقيدة أو تلك علي البشر، كما أن الأفراد لم يفوضوا الحاكم / الأمير/ السلطان مثل تلك المهمة، طالما يدخل ذلك ضمن نطاق خصوصياتهم لذلك يقول  » إنّ رعاية النفوس لا يمكن أن تكون من اختصاص الحاكم المدنيّ لأنّ كلّ سلطة تقوم على الإكراه، أمـــــــــا الدين الحق المنجي فيقوم على الإيمان الباطن في النفس «  المصدر نفسه ص71.
وبهذا يدافع لوك عن حرية المعتقد، فكل طائفة وكل فرد حَر له الحق في اعتناق الدين الذي يشاء، وهو مسؤول عن ذلك أمام الله فقط، شرط أن لا يلجأ إلى فرض معتقداته على الآخرين بالقوة والقمع والاضطهاد.
ويذهب إلى أبعد من ذلك لكي يبرز انّه حتى في حال ما إذا استعمل الحاكم / الدولة وسائل الإكراه والزجر لإجبار الناس على اعتناق هذه العقيدة أو تلك فانه لن يفلح في ذلك، فالإيمان مسألة داخلية وأفكار الناس لا يمكن تغييرها بغير الإقناع، يقول  » إن من طبيعة العقل الإنساني انه لا يمكن إكراهه بواسطة أية قوة خارجية، صادر إن شئت أموال إنسان، واسجن بدنه أو عذبه، فانّ أمثال هذه العقوبات لن تجدي فتيلا إذا كنت ترجو من وراء ذلك أن تحمله علي أن يغير حكم عقله على الأشياء «  المصدر نفسه ص71، ثم يردف مستخلصا  » إن السلطة المدنية لا ينبغي لها أن تفرض عقائد الإيمان بواسطة القانون المدني، سواء تعلق الأمر بالعقائد أو بأشكال عبادة الله  » المصدر نفسه ص 72.
وبهذا يرسم خط فصل بين السياسة والدين، بين الدولة التي تهتم بالدنيا والدين الذي يهتم بالآخرة، ويشترك مع سبينوزا في الكثير من الآراء، مما يتطلب إقامة مقارنة بين هذين الفيلسوفين الذين وجدت فيهما الثورة البرجوازية الديمقراطية بعض فقرات إنجيل خلاصها من الاستبداد الإقطاعي الملتحف بالمقدس. وما تقدم ذكره يتيح لنا أن نستنج أن الليبرالية قد انبثقت فلسفيا من مؤلّفات جون لوك بالذات وأنّ العلمانية تجد فيه أحد أبرز أعلامها.



12 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

 ندوة فلسفية دولية 

  

 شهدت كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالقيروان / تونس أيام 6/7/8 أفريل 2010 التئام فعاليات الندوة الفلسفية الدولية : الفلسفة و الطب ، التي  شارك فيها عدد من الباحثين من   تونس  و خارجها ، و دارت المداخلات التي يربو عددها عن الثلاثين حول الإشكاليات التي تناولتها الورقة العلمية الخاصة بالندوة و التي ورد فيها : 

       

 تشترك الفلسفة و الطب  في النشأة ،  كما أنهما ظلا مرتبطين على مدار قرون عديدة  ، و كان الفلاسفة أطباء و الأطباء فلاسفة في غالب الحالات ، و يصح هذا على فلاسفة اليونان كما يصح أيضا على فلاسفة العرب ، الذين  لم يكن اهتمامهم  منصبا فقط على طب البدن و إنما أيضا  على طب المدن و تدبير شؤون البلدان . 

 و رغم استقلال الطب عن الفلسفة لاحقا ، فان   مشكلات الطب الابستمولوجية و الايتيقية لم تكن غائبة عن انشغالات الفلاسفة ، و مع التطورات المتلاحقة في مجال البيولوجيا  و استتباعاتها الطبية برزت مباحث جديدة خاصة في الفلسفة الغربية المعاصرة 

ويستوجب هذا المسار  الذي قطعته العلاقة بين الفلسفة و الطب   تطارح  جملة من المشكلات الفلسفية ، التي  يمكن أن تحوم حول خفايا التلازم بين الفلسفة و الطب في العصرين القديم و الوسيط ، و الأسباب التي أدت إلى انفصالهما بعد ذالك ، و المشكلات الابستمولوجية التي واجهها الطب ووجدت فيها الفلسفة مجالا رحبا للدراسة   ، كما الخوض في القضايا الايتيقية المحيطة بتطور الطب و العلوم المتاخمة له ، و حضور إشكالية الجسد  في ثنايا تلك الانشغالات المختلفة .   

منسق الندوة 

فريد العليبي 



12 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

header-auton192-102da.jpg



12 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

الفلسفة والنبوة عند الفارابي

الثلثاء 19 كانون الثاني (يناير) 2010
بقلم فريد العليبي / عن موقع الاوان

حظيت مسألة النبوّة بحضور لافت في مناقشة الفلاسفة العرب الظاهرة الدينية، لما لها من أهمّية في الإبانة عن الأسس التي تستمدّ منها ماهيتها، ولعلاقتها الوثيقة بقضايا أخري تنتمي إلى السجلّ ذاته مثل الوحي والمعجزة والإلوهية، ونروم هنا الوقوف على مقاربة الفارابي لهذه المسألة، التي نلاحظ تضمّنها جملة من المفاهيم مثل الوحي والعقل والخيال، واهتمامها بمجموعة من الأسئلة منها : إلى أيّ حدّ يستوفي وصف النبيّ بالمصطفي مهمّة تعريفه؟ وأيّة سلطة يمتلكها النبيّ وما مجالاتها؟ وأيّهما أرفع شأنا، الفلسفة أم النبوة؟ وهذا ما يؤكّد أهمية نظرية النبوّة لديه، إلى الحدّ الذي اعتبر فيه بعضهم أنّ ما يسمّى فلسفة الفارابي السياسية ليس إلا نظريته في النبوّة(1)، ممّا يستدعي النظر في مضامين تلك المقاربة، وتبيَن صلتها بما هو سياسيّ.

لقد نظر المعلّم الثاني إلى الفلسفة باعتبارها معنيّة بتلك الأسئلة، معرّفا إياها بـ »أنّها العلم بالموجودات بما هي موجودة »(2)، لاختصاصها بالنظر في ماهيات الموجودات من خلال تتبع مساراتها، وصولا إلى الإمساك بجذورها أو ما اعتبره أرسطو عللها ومبادئها الأولى.

لأجل هذا اتّجه حديثه عن النبوّة ناحية تناول المرتكزات التي تنبني عليها، فبحث في ملكات الإنسان المعرفية، فهناك العقل والحسّ والخيال، وتفريعه لتلك القوى، وخوضه في ماهياتها، وإقامة الروابط المتبادلة بينها، متّصل في وجه من وجوهه بمطلب تفسير ظواهر تبدو مستعصية على الفهم، مثل ظاهرة الوحي، التي أحاطها القول الدينيّ بهالة من القداسة والغموض، فأضحت سجينة مجال الإيمان، وغريبة بالتالي عن مجال المعرفة العقلية.

وإذا كان الفارابي يقدّر قيمة كلّ قوّة من قوى النفس حسب دورها في العملية المعرفية، فإنّ الميسم العقليّ الذي يطبع فلسفته، يجعل العقل لديه يحظى بمنزلة مخصوصة، فهو يعتبره حجّة وقوّة تمارس نفوذها على سائر القوى الأخرى، وهو قد يكون برأيه في فرد، وقد يكون في مجموعة. والوضع الأمثل من جهة ضمان اليقين هو أن يكون في مجموعة، فاتفاق العقول المختلفة يجب أن يسبقه التحليل والنقــــــاش والنقد، ومواجهة الآراء ببعضها البعض، فـ « العقل عند الجميع حجّة، ولأجل أنّ ذا العقل ربّما يخيّل إليه الشيء بعد الشيء، على خلاف ما هو عليه، من جهة تشابه العلامات المستدلّ بها على حال الشيء، اُحتيج إلى اجتماع عقول كثيرة مختلفة، فمهما اجتمعت فلا حجّة أقوى، ولا يقين أحكم من ذلك. »(3)، فإذا تضاربت الآراء، ثم استقرّت على نتيجـــة ما، فإنّ ذلك يكون أصوب، وبالتالي يكون أساس الاجتهاد مكينا إذا ما تعدّدت مصادره.

ولا يعني هذا أنّ الاجتماع على رأي واحد يكون صائبا في كلّ الحالات، إذ ينبّه إلى إمكانية استناد ذلك إلى تقليد شخص بعينه، له نفوذه على البقية، فـ « لا يغرنّك وجود أناس كثيرة على آراء مدخولة، فإنّ الجماعة المقلّدين لرأي واحد، المدّعين لإمام يؤمّهم فيما اجتمعوا عليه، بمنزلة عقل واحد « ( 4).

وعلى هذا النحو يُعظّم العقل ويدعو إلى الأخذ بالآراء التي تكون ناتجة عن تمحيص عقول كثيرة، فالقوّة الناطقة « هي التي تكون بها الفكرة والروية والتأمّل والاستنباط « (5)، بها يدرك الإنسان المعقولات الأولى ويبلغ استكماله الأوّل، وتلك خطوة فقط على سبيل تحصيل السعادة، أو ما يسميه أيضا الاستكمال الأخير و »نهاية الكمال الإنسانيّ »(6)، فبالعقل يترقّى الإنسان فيدرك أعلى درجات كماله، والوصل بين العقل والسعادة يشي هنا بالوصل بين لمعرفة والايتيقا.

وهو يُنسّب مفهوم العقل، مُتناولا إياه من زاوية تعدّد دلالاته حسب السياقات المختلفة التي يرد فيها، فهناك العقل بالقوة والعقل بالفعل والعقل المستفاد والعقل الفعّال، وهو يُقرّ امتلاك الإنسان للعقل بالقوّة بحكم الفطرة. والمعني هنا هو ما يُسمّى لديه ولدى أرسطو القوّة الناطقة، فهذا العقل هيئة طبيعية، بواسطته ترتسم وتنطبع المعارف المختلفة، وهي متعددة متكثرة بتعدّد البشر فـ »العقل الذي هو بالقوة هو نفس أو جزء نفس أو قوّة من قوى النفس أو شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن تنزع ماهيات الموجودات كلها، وصورها دون موادها، فتجعلها كلّها صورة لهـا أو صورا لها، وتلك الصور المنتزعة عن الموادّ ليست تصير منتزعة عن موادها التي فيها وجودها إلا بأن تصير صورا لهذه الذات، وتلك الصور المنتزعة عن موادها الصائرة صورا في هذه الذات هي المعقولات، وأشتقّ لها هذا الاسم من اسم تلك الذات التي انتزعت صور الموجودات فصارت صورا لها »(7)، وبهذا العقل يكتسب الإنسان العلـوم والصناعات.

أمّا العقل بالفعل، فيعني لديه حصول المعقولات في العقل بالقوّة، مما يُحوّله إلى عقل بالفعل، فالعقل بالقوة عندما يُدرك المعقولات يكون قد وصل إلى أعلى استكمالاته فيصبح عقلا بالفعل، فـ »هذا العقل قد يكون بالقوّة عندما لا تكون هذه الأوائل حاصلة فيه، فإذا حصلت له صار عقلا بالفعل، وقوي استعداده لاستنباط ما بقي »(8)، أمّا العقل المستفاد فله قدرة إدراك ذاته بذاته، كما يدرك ماهيات الأشياء، أي إنّه يعقلها، وهو يتّصف بطابع التجريد، فـ »العقل بالفعل متى عقل المعقولات التي هي صور له من حيث هي معقولة بالفعل، صار العقل الذي كنا نقول أوّلا إنّه العقل بالفعل هو الآن العقل المستفاد « (9).

وهناك أيضا العقل الفعّال، عاشر العقول المفارقة، وهو بالمعنى الأنطولوجي عقل مفارق وجوهر واحد مجرّد، وعنه تفيض الحقائق، وهو مُدبّر عالم ما تحت فلك القمر، ومُحوّل المعقولات بالقوّة إلى معقولات بالفعل.

ويرتّب الفارابي الموجودات صعودا ونزولا، فانطلاقا من الأسفل إلى الأعلى نجد على التوالي المادّة الأولى، فالطبيعة، وصولا إلى العقل المستفاد، ومنه إلى الحدّ الفاصل بين عالمي ما فوق فلك القمر وما تحته، أو عالم المادّة والكون والفساد من جهة، والعالم المفارق من جهة ثانية، حيث نجد في أوّل مراتبها العقل الفعّال، يقول الفارابي « المبادئ التي بها قوام الأجسام والأعراض التي لها ستّة أصناف، لها ستّ مراتب عظمى، كلّ مرتبة منها تحوز صنفا منها، السبب الأوّل في المرتبة الأولى، الأسباب الثواني في المرتبة الثانية، العقل الفعّال في المرتبة الثالثة، النفس في المرتبة الرابعة، الصورة في المرتبة الخامسة، المادّة في المرتبة السادسة « (10)، فالموجودات والعقول من ضمنها، متنوّعــــة ومنظمة الترتيب، وإذا كان العقل الفعّال متعاليا فإنّ العقل بالقوّة (العقل الهيولاني / القوة الناطقة) والعقل بالفعل (العقل المنفعل) والعقل المستفاد، ليست على تلك الحال، فهذه العقول الثلاثة توجد في الإنسان نفسه. وهي تتحوّل إلى بعضها البعض، فهي متحركة، يقول الفارابي في إشارة إلى الروابط المتبادلة بينها وكيف يتوّج مسارها ببلوغ الإنسان أعلى مراتب التعقل : « إذا جعلت الهيئة الطبيعية (القوة الناطقة) مادّة العقل المنفعل الذي صار عقلا بالفعل، والمنفعل مادّة المستفاد، والمستفاد مادّة العقل الفعال، وأخذت جملة ذلك كشيء واحد، كان هذا الإنسان هو الإنسان الذي حلّ فيه العقل الفعّال. وإذا حصل ذلك في كلا جزئي قوّته الناطقة، وهما النظرية والعملية، ثمّ في قوّته المتخيّلة، كان هذا الإنسان هو الذي يوحى إليه، فيكون الله عزّ وجلّ يوحي إليه بتوسّط العقل الفعّال، فيكون ما يفيض من الله، تبارك وتعالى، إلى العقل الفعّال، يفيضه العقل الفعّال إلى عقله المنفعل، بتوسّط العقل المستفاد، ثمّ إلى قوّته المتخيّلة، فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا ومتعقّلا على التمام، وبما يفيض منه إلى قوّته المتخيّلة نبيّا منذرا بما سيكون، بما هو الآن من الجزئيات بوجود يعقل فيه الإلهيّ، وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية، وفي أعلى درجات السعادة  » (11).

وعلى هذا النحو فإنّ الإنسان الذي بلغ هذه المرتبة هو الفيلسوف الذي تتجلّى أمامه الحقائق في أبهى صورها، ويختلف النبيّ عنه من جهة إدراكه تلك المرتبة لا بواسطة العقل وإنما بواسطة المتخيّلة، فالعقل الفعّال يمكّن الإنسان من بلوغ الغاية القصوى ونعني سعادته، وعندما يبحث الفارابي عن صنو لكلامه هذا في النصّ المقدس يقول : »العقل الفعّال هو الذي ينبغي أن يقال إنّه الروح الأمين وروح القدس « .(12)

ويربط المعلم الثاني بين العقل والتعقل الذي يكمن في »القدرة على جودة الرويَة واستنباط الأشياء التي هي أجود وأصلـــــح »(13)، ويظلّ مجال السياسة والأخلاق الفضاء الأرحب الذي تُطلب ضمنه الغاية القصوى من التعقّل، فالمقصد « ليس الخيرات الخاصة، بل الخير المطلق الذي هو السعادة »(14) والنبوّة تتنزّل ضمن هذا السياق على وجه التحديد، أي ضمن ما هو عمليّ.

وفضلا عن ذلك يقوم الفارابي بضبط الوظيفة التي تنهض بها المتخيّلة، فهي « التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحسّ، وتركّب بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض، في اليقظة والنوم، تركيبات وتفصيلات بعضها صادق وبعضها كاذب ». (15) وهي يمكن أن تكون لدي فرد ما قويّة وكاملة، فيضعف تأثير المحسوسات فيها، كما أنّ العقل أو القوّة الناطقة لا تستنفدها بالكامل، ومن ثمّة تظلّ لها قدرات لا يُستهان بها، فتتمكّن من تخيل ما ليس له وجود واقعيّ، وهذه الصور المتخيّلة تؤثّر في القوة الحاسّة، فيري صاحبها تلك الصور كما لو كانت حقيقة واقعة، وكلّما كانت تلك الصور حسب الفارابي « في نهاية الجمال والكمال قال الذي يرى ذلك إنّ لله عظمة جليلة عجيبة، ورأى أشياء عجيبة لا يمكن وجود شيء منها في سائر الموجودات أصلا « (16).

وهكذا فإنّه إذا كانت المتخيّلة قوية، وكانت المحسوسات ضعيفة التأثير فيها، وكان العقل غير قادر على الحدّ من اندفاعاتها، فإنّها تفعل فعلها في اليقظة كما في المنام، فتستولي على صاحبها، فترتسم تخيّلاته في حاسّته المشتركة، وتبدو كما لو كانت حقائق واقعة مرئية، لا يخالطها الشك والالتباس، فيتقبّل ذلك الشخص في اليقظة وفي المنام صورا عما سيحدث في المستقبل، أو عما هو حادث في الحاضر، فما يفيض عليه من العقل الفعّال يكون مرئيا لديه وتلك هي مرتبة النبوّة، وهي أكمل المراتب التي يصل إليها الإنسان بقوته المتخيّلة، يقول الفارابي: « ولا يمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوّته المتخيّلة نهاية الكمال، فيقبل، في يقظته، عن العقل الفعّال، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، ويراها، فيكون له بما قبله من المعقولات، نبوّة بالأشياء الإلهية، فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها المتخيّلة، وأكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوّته المتخيّلة  » (17).

والخيال متّصل بالعواطف والانفعالات، وهو يمارس تأثيره في الإنسان الذي ينزع جراء ذلك إلى القيام بهذا الفعل أو ذاك دون حصول تصديق أو روية بالمعني العقليّ، فالاقتناع هنا ليس شرطا ضروريا للفعل، بل الشرط هو المنزع العاطفي الموصول بالتخييل والحاصل في النفس، فـ « جودة التخييل غير جودة الإقناع. والفرق بينهما أنّ جودة الإقناع يقصد بها أن يفعل السامع الشيء بعد التصديق به. وجودة التخييل يقصد بها أن تنهض نفس السامع إلى طلب الشيء المخيّل والهرب منه أو النزاع إليه أو الكراهة له، وإن لم يقع به تصديق، كما يعاف الإنسان الشيء إذا رآه يشبه ما سبيله أن يعاف في الحقيقة، وإن تيّقن أنّ الذي رآه ليس هو ذلك الشيء الذي يعاف. وتستعمل جودة التخييل فيما يسخط ويرضي، وفيما يفزع ويؤمّن، وفيما يليّن النفس وفيما يشدّها وفي سائر عوارض النفس. ويقصد بجودة التخييل أن يتحرك الإنسان لقبول الشيء وينهض نحــــوه وإن كان علمه بالشيء يوجب خلاف ما يخيَل له فيه. وكثير من الناس إنما يحبون ويبغضون الشيء ويؤثرونه، يجتنّبونه بالتخيّل دون الرويّة، إما لأنّه لا رويَة لهم بالطبع أو أن يكونوا اطّرحوها في أمورهم  » (18).

والمتخيّلة ليست حـكرا على الإنسان إذ يمكن للحيوان امتلاكها، يقول: « وأمّا الحيوان غير الناطق فبعضه يوجد له القوى الثلاث الباقية دون الناطقة. والقوّة المتخيّلة فيه تقوم مقام القوّة الناطقة في الحيوان الناطق »(19). وربّما كان الفارابي يستحضر ما يشير إليه النص القرآنيّ من أنّ بعض الحيوانات والحشرات تتلقّى الوحي مثل النحل، ففي القرآن نقرأ الآيات التي تقول : وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ 68 ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 69 سورة النحل 68/96.

وبالإضافة إلى تعدّدها فإنّ الملكات المعرفية مرتّبة تفاضليا، بل إنّ الملكة الواحدة تتفاضل من حيث درجاتها، فهناك من يبلغ مرتبة العقل الفعّال بقوّته الناطقة، وهناك من يعجز عن ذلك، كما هناك من مخيّلته متطوّرة فيبلغ العقل الفعال ويكون نبيّا، ومن مخيّلته ضعيفة فلا يدرك تلك المرتبة. وفي علاقة بذلك يستعمل الفارابي مفاهيم مثل الاختيــــــــار والإرادة الذين يحيلان على مجال العمل / العقل العملي، فـ »النزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الإرادة، فإن كان ذلك النزوع عن إحساس أو تخيّل سمّي بالاسم العامّ وهو الإرادة، وإن كان ذلك عن رويّة أو نطق في الجملة سمّي الاختيار، وهذا يوجد في الإنسان خاصة. وأما النزوع عن إحساس أو تخيّل فهو أيضا في سائر الحيوان » (20) فالإرادة مشتركة بين الإنسان والحيوان من حيث امتلاكها، وهي مؤسّسة على الإحــساس والخيال، فالإنسان والحيوان كلاهما له نزوع يصدر عن الإحـــساس والخيال، أمّا الاختيار فخاصية إنسانية بحتة، لتفرد الإنسان بالنــــــطق والرويّة، أي بالعقل والتعقّل، فالمقصد هنا هو رسم معالم الفرق بين الإنسان والحيوان، والإعلاء من شأن العقل والاختيار، قياسا إلى الإحساس والخيال والإرادة. وغير خاف انحيازه هنا إلى العقل والفلسفة، وهو ما ألمحنا إليه سابقا. فما يحدّد ماهية الإنسان ليس الحسّ ولا الخيال، وإنّما العقل على وجه الحصر والتقييد، ووسمه الفعل الإنسانيّ بالاختيار يتصادم مثلما هو بيّن مع النزعة الجبرية.

وبموجب ذلك الترتيب تحتل القوة الناطقة أو العقل القمّة بينما تأتي المخيّلة بعدها، وتليها القوّة الحاسّة. وكل قوّة تتحكّم في القوّة التي تليها. ومن استتباعات ذلك التساؤل عما إذا كان الفارابي يقيم مفاضلة بين النبي والفيلسوف؟ وقد انقسم الباحثون هنا إلى فريقين فبينما يرى كوربان أنّ »من الخطأ القول بأنه (الفارابي) وضع الفلسفة فوق النبوة »(21)، يؤكد جون جوليفيه العكس مشيرا إلى النتائج التي توصّل إليها الفارابي وهي « تفوّق الفلسفة على الدين »(22)، فعلى صعيد النظر العقليّ تُعتبر القوّة الناطقة صورة للمتخيّلة، وهي ليست مادّة لما عداها إذ لا قوّة من قوى النفس أعلى منها فـ » القوة الناطقة لا رواضع ولا خدم لها من نوعها في سائر الأعضاء، بل إنما رئاستها على سائر القوى… فهي رئيسة القوة المتخيّلة، ورئيسة القوّة الحاسّة… ورئيسة القوّة الغاذية » (23)، فهي ترأس المتخيلة والقوّة الحاسّة على حدّ السواء، بينما المتخيّلة مادّة للعقل، وغنيّ عن البيان أنّ الصورة لدى أرسطو كما هو الحال لدى الفارابي أرفع شأنا من المادّة. ومن ثمّة فإنّ الاستتباع المنطقيّ لا بدّ أن يكون رفعة الفلسفة.

تقترن النبوّة إذن بالخيال، وذلك وفق سيرورة معقّدة فهنــــاك الأّوّل / الله، ومنه يتقبّل العقل الفعّال الحقائق، ويتلو ذلك العقل المستفاد ثمّ العقل المنفعل فالمخيّلة، وهذه تلعب أدوارا متعدّدة كتمثّل ما نرغب فيه أو ما نخاف وقوعه، واستدعاء أمور وقعت سابقا، وما ظلّ في الذاكرة من المحسوسات، والتنبّؤ بما يمكن أن يحدث مستقبلا، وتركيب صور حسية مختلفة في شكل موجودات تفتقر إلى الوجود واقعيا، وتقوم المخيّلة أيضا بترجمة ما هو مجرّد إلى صور حسّية عبر المحاكاة، وهنا بالذات تتكشّف وظيفة النبيّ الذي يحوّل « الحقائق » الإلهية المجردة التي تفيض عليه من العقل الفعّال إلى صور حسّية يمكن للجمهور تقبّلها، وذلك بالإخبار بما سيكون من حوادث في المستقبل، والإبانة عن مكوّنات الوقائع المحيطة بالناس، فالنبيّ مخبر ومنذر ومتنبّئ، عبر ضرب الأمثال ورواية القصص واعتماد الرموز.

وهذا يمكن أن يحصل لأيّ إنسان كانت مخيّلته قويّة، ممّا يعني أنّ النبوّة لا تفسّر بالاصطفاء، فالنبيّ صاحب مخيّلة كاملة وقوية ليس أكثر، ممّا يمكّنه من الاتّصال بالعقل الفعاّل الذي يفيض عنه الوحي، إذ « ليست النبوّة (عند الفارابي) أمرا خارقا للطبيعة »(24)، فالفارابي يفسّرها عقليا، وبالتالي يخضعها إلى النظر الفلسفيّ، فتكفّ عن أن تكون سرّا مقدّسا، فـ »عندما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة (الاتصال بالعقل الفعّال) يمكننا أن نقول عنه إنّه حصل على الوحي النبويّ، إذ أنّ الإنسان هو على الحقيقة نبيّ عندما لا يكون هناك أيّ انفصال، أي حجاب بينه وبين العقل الفعّال »(25).

ويلاحظ الفارابي أنّ هنالك مراتب أدنى من مرتبة النبوّة من حيث قوّة المتخيّلة، يندرج ضمنها من يرى ما يراه النبيّ ولكنّه يراه مجزّءا، بعضه في اليقظة وبعضه في المنام، ومن يتخيّل كلّ ذلك، ولكنه لا يراه ببصره، ومن يرى كل ذلك ولكن أثناء النوم فقط.

وحديثه عن المنام باعتباره من فعل المخيّلة وثيق الصلة بالحديث عن النبوّة التي تشترك معه في ذلك، فإذا كان المنام ينطلق من صور حسّية فيقوم بقولبتها وإعادة تركيبها، فإنّ الوحي ينطلق مما يفيض على النبيّ من حقائق بتوسّط العقل الفعّال، فيقوم بإعادة تنظيمها وفق صور حسّية تتناسب وأذهان الناس، فالمشترك هنا هو تلك الوظيفة التي تنهض بها المخيّلة وإن تمّت في اتّجاهين مختلفين، من الحسّ إلى الخيال في حال المنام، ومن الخيال إلى الحسّ في حال النبوّة.

وفي الحالتين يتطلّب الأمر تفسيرا، وإذا كان الإنسان قد بحث عن تأويل وتفسير لأحلامه باستمرار، فازدهرت بذلك مباحث تفسير الأحلام سواء في شكلها العلميّ أو في شكلها ما قبل العلميّ، فإنّ الوحي عرف الأمر ذاته، بدءا بتفسير الأنبياء أنفسهم لما جاؤوا به، ثمّ تفسير من جاء بعدهم من الفقهاء والمتكلمين، وصولا إلى الفلاسفة وعلماء الإنسانيات.

ولا يفوّت الفارابي هنا الفرصة دون لفت النظر إلى ما قد يحصل من فساد الخيال لدى بعضهم، وصولا إلى حالة الجنون، فـ « قد تعرض أيضا للإنسان عوارض، فيفسد بها مزاجه وتفسد تخاييله؛ فيرى أشياء ممّا تركبه القوة المتخيّلة على تلك الوجوه ممّا ليس لها وجود، ولا هي محاكاة لموجود. وهؤلاء الممرورون والمجـانين وأشباههم.  » (26) كما يدرج الأشعار ضمن مجال التخييل (27)، وهو العارف بأنّ جمالها يزداد اطرادا مع إيغالها في الكذب، فأعذب الشعر أكذبه كما سوف يقول لاحقا ابن رشيق القيرواني. والملاحظ أنّ العديد من الأنبياء قد وصفهم معارضوهم خلال نشر دعوتهم بأنهم مجانين، أو شعراء أو كهّان، وهو ربّما ما كان حاضرا في ذهن الفارابي، ففي سورة الحاقة نقرأ الآيات التي تقول : « إنّه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكَرون. تنزيل من ربّ العالمين « .

إنّ امتلاك الإنسان، أيّ إنسان، القوّة المتخيلة معناه أنّ بإمكانه تقبّل الوحي شرط أن تكون تلك القوّة قوية لديه. وعلى هذا النحو يُجرّد الفارابي النبيّ ممّا يُضفى عليه من هالة قدسية وصور عجائبية، كما يجرّد الوحي من طابعه اللاهوتيّ وتعاليه عن الحياة الواقعية للبشر، عبر تفسير عقليّ يجعل النبوّة كما ذكرنا ظاهرة قابلة للتعليل المنطقي، بردّها إلى قوة المخيّلة. وبهذا ينزل بالوحي إلى مستوى الظاهرة القابلة للدراسة والفهم، فتكفّ بذلك عن أن تكون لغزا ربّانيا مفارقا، يقول: » وقد تبيّن في العلم النظريّ كيف يكون وحي الله تعالى إلى الإنسان الذي يوحي إليه، وكيف تحصل في الإنسان القوّة عن الوحي والمُوحي » (28).

يتلقّى النبي إذن حقائقه عن طريق الوحي، فهو يرتبط بالإله / الأوّل عبر وسيط هو جبريل/ العقل الفعّال / الروح الأمين، وتؤدّي هنا المخيّلة وظيفتها من حيث كونها تجعله يرى ما يوحى إليه كما لو كان ماثلا فعلا أمامه، وما يتلقّاه النبيّ وحيا يقوم بترجمته حسيا للجمهور لكي يتناسب مع ذهنه، كما ذكرناه سابقا، فيقبله دون ارتياب، مستعملا سحر البيان فالنبيّ يخاطب الناس حسب ما يفهمون (خاطب الناس بما يفهمون)، والشخص الذي حلّ فيه العقل الفعال بواسطة المتخيّلة هو الذي نسمّيه نبيّا.

وفي المقابل لا يدرك الفيلسوف الحقائق بواسطة الخيال وإنما بواسطة العقل، وعبر الاتصال بالعقل الفعّال، فترتسم لديه الحقائق المجردة البرهانية، وإذا كانت الطريقة الجدلية قاصرة عن بلوغ اليقين، فإن الطريقة البرهانية هي سبيل تحصيله، فـ « الجدل يعطي الظنّ القوي فيما تعطي (.. ) البراهين اليقين أو في كثير منها » (29)، فطريق أصحاب الوحي والإلهام أي طريق الرسل والأنبياء والأولياء، وإن كان له تأثير عجيب في الجمهور، فإنّه غير طريق الفيلسوف الذي ينأى بنفسه عن العواطف والانفعالات، وينحاز إلى الحقائق في صفـــــــــائها وتجرّدها، فـ »طرق البراهين الحقيقة منشأها من عند الفلاسفة (……) وأما طريق البراهين المقنعة المستقيمة العجيبة النفع فمنشأها من عند أصحاب الشرائع، الذين عوضوا بالإبداع والوحي والإلهامات  » (30).

والفيلسوف معنيّ هنا بالانحياز إلى البرهان، في تضادّ مع الأفكار الشائعة والآراء الكاذبة والأوهام الساذجة، المنتشرة بين الجمهور، المقيّد بأغلال الجهل وسلاسل التقليد، فالعقل أفضل من الخيال، بغضّ النظر عن طبيعة الاستقبال الجمهوري للحقائق المجردة، الباردة هنا، والأوهام اللذيذة هناك، فما يضعه الفارابي في باب المعرفة العقلية نُصب العين ليس الجدوى العملية وإنما الضرورة العلمية.

إنّ رفعة الفيلسوف متأتّية إذن من رفعة خطابه، فالقياس أنــواع، والمعتمد منه من قبل الفيلسوف هو أفضلها، فالأقاويل البرهانية » هي التي شأنها أن تُفيد العلم اليقين في المطلوب الذي نلتمس معرفته، سواء استعملها الإنسان فيما بينه وبين نفسه في استنباط ذلك المطلـوب، أو خاطب بها غيره، أو خاطبه بها غيره في تصحيح ذلك المطلوب : فإنها في أحوالها كلها شأنها أن تفيد العلم اليقين، وهو العلم الذي لا يمكن أصلا أن يكون خلافه، ولا يمكن أن يرجع الإنسان عنه، ولا أن يُعتقد فيه أنه يمكن أن يُرجع عنه، ولا تقع عليه فيه شبهة تغلطه، ولا مغالطة تزيله عنه ولا ارتياب، ولا تهمة له بوجه ولا بسبب »(31). أما الأقاويل الجدلية فزائفة مضللة مغالطية، مثلها مثل الأقاويل السفسطائية والشعرية والخطابية بغض النظر عن اختلاف أهدافها وتنوع طرقها.

ويعتبر الفارابي أن من نظم البرهان وجعل منه صناعة قائمة بذاتها هو أرسطو، مُنبها إلى المخاطر المترتبة عن تفشي الأقوال الجدليـة والسفسطائية بين الأمم، إذ تؤدى إلى الانقسام والتفكك وبالتالي الهلاك.

وهو وإن كان ينحاز إلى الفيلسوف، فانه لا يطرد النبيّ من الحياة العامة، وإنما يحتفظ له بمهمة سياسية أخلاقية، فهو يمكن أن يكون حاكما للمدينة الفاضلة وبالتالي فإنّ حدود سلطته تتجاوز مجال الدين إلى مجال الحياة المدنية، فـ « الرئيس الأوّل الفاضل إنما تكون مهنته ملكية مقرونة بوحي من الله، وإنما يقدر الأفعال والآراء التي في الملّة الفاضلة بالوحي »(32)، غير أنه ليس الوحيد المؤهّل لذلك، فالفيلسوف وإن كانت أقواله البرهانية مستعصية على إدراك الجمهور، فإنّه مؤهّل لرئاسة المدينة الفاضلة، ممّا يعني أنّ رئيس المدينة الفاضلة يمكن أن يكون نبيّا أو فيلسوفا.

لأجل هذا يُبوّئ الفارابي النبيّ والفيلسوف أفضل الدرجات، فهما في أكمل المراتب الإنسانية، فكلّ منهما يمتلك نفسا كاملة متّصلة بالعقل الفعّال، ممّا يمكّنها من تلقّي الحقائق كلّ على طريقته كما بينّاه، يضاف إلى ذلك أنّه يمنحهما أشرف مهمّة على صعيد السياسة، وهي رياسة المدينة الفاضلة، فتلقّي الحقائق من خلال الاتّصال بالعقل الفعّال يمثّل شرطا أساسيا لتلك الرئاسة، وقد قارن الفارابي بين حقائق النبوّة وحقائق الفلسفة، مبيّنا أنّها ذات مصدر واحد هو العقل الفعّال، وإن كانت طرق تحصيلها مختلفة، وطبيعتهما مختلفة أيضا، فالحقيقة الفلسفية موسومة بالتجريد، فهي برهانية، أما الحقيقة النبوية فهي رمزية، محاكية لما يفيض عليها من العقل الفعال، يضاف إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقا من مقارنات بين العقل والخيال، والنبوة والمنام، والوظيفة السياسية التي يؤدّيها النبيّ والفيلسوف.

وهذا كله يتيح لنا أن نستنتج اعتماد الفارابي في نظره إلى النبوّة على منهج التحليل والمقارنة، لكي يصل في نهاية المطاف إلى جملة من الاستنتاجات فـ »المساواة الـظاهرية بين الفلسفة والنبوّة تنقطع لصالح الفلسفة، فوفقا لكتاب الملّة فإنّ الظروف الخاصة المتعلّقة بالجزء التطبيقيّ العمليّ للدين تندرج ضمن المبادئ الكونية للفلسفة العملية، وفي موازاة ذلك فإنّ الأفكار التأمّلية المتضمنة في الدين لها حجّتها في الفلسفة النظرية، وفي ظلّ هذه الشروط يمكننا القول مع كتاب الحروف إنّ الدين (الملة) يتبع الفلسفة »(33). وهكذا فإنّه إذا كانت المدينة تسير على هدى الفلسفة كانت مدينة فاضلة، أمّا إذا خضعت إلى تأثير الخطابـة والجدل والسفسطة، فتكون ضالّة فاسدة.

واشتراك النبيّ والفيلسوف في الاتصال بالعقل الفعّال لا يعني المساواة بينهما في المرتبة، فطالما كان العقل متفوّقا على الخيال فإنّ النبيّ أدنى درجة من الفيلسوف، رغم أنّ الفارابي في الآراء يحاول إخفاء موقفه هذا بتأكيد المساواة، فإنّنا عندما نستنطق تناوله للمسألة في كلّيته نلمح التميّز الذي عليه الفيلسوف، وما تعارض مع ذلك هو من باب الحذر الفلسفي الذي يستوجب إخفاء الموقف الحقيقيّ أحيانا، ففيلسوفنا كان على وعي بضرورة ذلك الإخفاء، ففي كتاب الحروف نراه يكتب « تلك الأمّة ليس سبيلها أن ُتعلم صريح الحقّ ولا الأمور النظرية كما هي، بل يكون سبيلها بحسب فطر أهلها أو بحسب الغرض فيها، أو منها أن لا تطلع على الحقّ نفسه، بل إنما تؤدّب بمثالات الحقّ فقط، أو كانت الأمّة أمّة سبيلها أن تؤدّب بالأفعال والأعمال والأشياء العملية فقط، لا بالأمور النظريـــــة أو بالشيء اليسير منها فقط « (34).

وقد أشار في « الجمع بين رأيي الحكيمين » إلى اعتماد أفلاطون الرمزية وتشديده على ألا تبث الحقائق لغير أهلها، وهذه الإفادة مهمّة في الكشف عن تعامله هو وأغلب الفلاسفة العرب مع مكانهم وزمانهم فقد لجأوا مرارا إلى الإخفاء، اتّقاء للاضطهاد، يقول « إنّ أفلاطون كان يمنع في قديم الأيام، عن تدوين العلوم وإيداع بطون الكتب دون الصدور الزكية والعقول المرضية، فلما خشي على نفسه الغفلة والنسيان وذهاب ما يستنبطه، وتعسّر وقوفه عليه، حيث استغزر علمه وحكمته، وتبسّط فيها، فاختار الرموز والألغاز، قصدا منه، لتدوين علومه وحكمته، على السبيل الذي لا يطلع عليه إلا المستحقّون لها، والمستوجبون للإحاطة بها، طلبا وبحثا وتنقيرا واجتهادا »(35).

لقد كان الفارابي على بينة من اختلاف الأفهام، فالناس مراتـــــب، والتصريح بما هو برهاني لغير أهله يمكن أن يجرّ على الفلسفة الويلات، لذلك يغدو لجوؤها إلى الرموز والألغاز مشروعا، ممّا يفرض على طالب حقائقها جهدا تأويليا. ولا شكّ أنّ أفلاطون والفارابي كانا وهما يقرّان مشروعية ذالك، يستحضران ما حصل لسقراط وغيره. فضلا عن الإفادة الحاصلة من إشارته إلى جواب أرسطو على ملاحظة أفلاطون التي يعاتبه فيها لتصريحه بحقائق الفلسفة لغير أهلها، فأرسطو ينحو المنحى نفسه مؤكدا ذلك قائلا وهو يخاطب أفلاطون:  » إني وإن دوّنت هذه العلوم والحكم المضمونة بها، فقد رتّبتها ترتيبا لا يخلص إليها إلا أهلها، وعبّرت عنها بعبارات لا يحيط بها إلا بنوها »(36).

لقد ألمحنا سابقا إلى اختلاف آراء الباحثين حول حقيقة وجهة نظر الفارابي بخصوص المفاضلة بين الفلسفة والنبوّة، وموقفه الحقيقيّ برأينا هو ذاك الذي أدركته عين ابن طفيل المتفحصة، فقد كتب يقول « ما صرّح به (الفارابي) من سوء معتقده في النبوّة، وإنها بزعمه خيالية، وتفضيله الفلسفة عليها » (37) والملاحظ أنّ الفيلسوف الأندلسيّ أحجم عن الكشف عن مواقف أخرى للمعلم الثاني تنحو المنحى ذاته، فقد قال إنّ هناك « أشياء ليس بنا حاجة إلى إيرادها »(38) في إشارة كما يبدو إلى اتساق أطروحة المعلّم الثاني حول النبوّة مع أطروحات أخرى لا نزال نجهلها بفعل ضياع بعض مؤلّفاته.

وفي الأخير لنا أن نسأل : ما الذي أملى على الفارابي الانشغال بإشكالية النبوّة؟ أليس هو العامل السياسيّ تحديدا، حيث الصراعات المحتدمة؟ ألا يتلمّس عبر ذلك حلا للمعضلة السياسية بوضع ضوابط عامة للسلطة السياسية، بما من شأنه أن يقي المدينة مخاطر التـفتت والسقوط والانكسار؟ ألا يكمن مطلب مبحث السياسة برأيه في رسم الحدّ الفاصل بين ما ينفع الناس وما يلحق بهم الضرر في شتى مناحي حياتهم العملية؟ وأنّ ذلك غير ممكن الإدراك دون تحليل وتمحيص لأحوال معاشهم أو ما سيسمّيه ابن خلدون لاحقا العمران البشريّ، فقد كان مدركا لما يقتضيه التدبير المدنيّ من وجوب النظر في الأوضاع المعيشية للبشر، فـ « إنّ أنفع الأمور التي يسلكها المرء في استجلاب علم السياسة أن يتأمّل أحوال الناس وأعمالهم ومتصرفاتهم، ما شهدها وما غاب عنها ممّا سمع وتناهى إليه منها، وأن يُمعن النظر فيها ويميّز بين محاسنها ومساوئها، وبين النافع والضارّ لهم منها، ثم يجتهد في التمسك بمحاسنها لينال من منافعها، وفي التحرّز والاجتناب من مساوئها ليأمن من مضارّها، ويسلم من غوائلها مثل ما سلموا »(39)، وبالتالي فإنّه على عكس الرأي الذي أشرنا إليه في مستهلّ هذا البحث، والذي يعتبر فلسفته السياسية فلسفة في النبوّة، فإنّنا نرى أنّه صاحب فلسفة سياسية تستدعي النبوّة، لاستنطاق قضايا سياسية وثيقة الارتباط بها، وهي تلك التي ما كان لها إلا أن تُطرح للبحث في محيط حضاريّ مشبع بحضور المقدّس الإسلاميّ، الذي عرف تشكّله في علاقة بشخصية النبيّ بالذات.

ونحن نُرجح أنّ المعلم الثاني كان على وعى بأنّ الفلسفة يمكنها تقديم حلّ لمشكلة السلطة السياسية، وأنّ عملية تعقّل الوحي يجب أن تتّجه مباشرة إلى الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلاميّ على وجه التحديد وهو النبوّة، ألا يعرف »الإسلام نفسه باعتباره مؤسّسا على واقعة النبوّة التي منها يستمدّ الحجج على صدقيته »(40)؟ وبالتالي فإنّ ذلك التعقّل يستوجب القطيعة مع ما دأب عليه المتكلّمون من دفاع جدليّ عن النبوّة، فكان عجزهم عن تمثّل حقيقتها، فمقام التفلسف ليس مقام الدفاع الخطابيّ بقدر ما هو مقام التعقّل والتروّي والبرهنة، إذ من شأن ذلك أن يفتح الأبواب على مصراعيها أمام تعقّل الحياة السياسية، وإلا فإنّ النبوّة وما يختلط بها من معتقدات سحرية وأسطورية سوف تفتك بالسياسة، وتجعل السلطة السياسية سلطة رذالة وسفاهة وتسلّط.

وبهذا فقد توسّل الفارابي مساءلة النبوّة ليقف علي أحد العوائق التي تقف في طريق عقلنة السياسي، غير أن تلك المساءلة على أهمّيتها ظلّت عاجزة عن الإفصاح عن نتيجتها المنطقية، وهي تلك التي لم يتردّد معاصره أبو بكر الرازي صاحب كتاب « مخاريق الأنبياء » في التصريح بها، ونعني طرد النبوّة تماما من الحياة العامّة، وبيان تهافت الأسس التي تقوم عليها، بينما احتفظ هو للنبيّ بدور سياسيّ أخلاقيّ كما ذكرنا، مع أنّنا ندرك معه ملامح الدعوة المبكرة إلى عقلنة السياسي، تلك العقلنة التي تستلزم من ضمن شروط كثيرة أخرى، استقلال الشأن السياسيّ الاجتماعي، وجعله يتطوّر وفق ديناميته الداخلية، والقطيعة مع نزعة إخضاعه لعوامل مفارقة غريبة عنه، ونعنى تحكّم المقدّس به، فقد مثل « الدينيّ » في الغالب عبئا ثقيلا على « السياسيّ »، وإن لم يتمّ الفصل بينهما فإنّهما متضرّران بنفس القدر، فالفارابي يسأل سؤالا راهنا بالنسبة إلى الحالة العربية، وإن كان بالمعايير الكونية قد غدا سؤالا متجاوزا.

الهوامش:

Henry Corbin. Histoire de la philosophie islamique. Gallimard. Paris ـ1 1986.p231

2ـ الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين،تحقيق و تقديم و تعليق ألبير نصري نادر، بيروت، دار المشرق، الطبعة الرابعة، ص 81 .

3 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

4 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

5 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم و تعليق ألبير نصري نادر، بيروت، دار المشرق، الطبعة الخامسة، ص 90 .

6 ـ الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ضمن : رسائل الفارابي، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق 2006، دار الينابيع، الطبعة الأولى، ص 96 .

7 ـ الفارابي، رسالة في العقل، تحقيق موريس بويج، بيروت 1983، دار المشرق، الطبعة الثانية، ص ص12/13.

8 ـ الفارابي، فصول منتزعة، تحقيق و تقديم و تعليق فوزي مترى نجار، بيروت 1971، دار المشرق، ص 51.

9 ـ الفارابي، رسالة في العقل، مصدر سابق، ص 20 .

10 ـ الفارابي، السياسة المدنية، تونس 1994، سيراس للنشر، ص 9 .

11 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 125.

12 ـ الفارابي،السياسة المدنية، مصدر سابق، ص 11.

13 ـ الفارابي، فصول منتزعة، مصدر سابق، ص 55 .

14 ـ ماجد فخري، فلسفة الفارابي الخلقية و صلتها بالأخلاق النيقوماخية، ضمن : أبو نصر الفارابي في الذكرى الألفية لوفاته، تصدير إبراهيم مدكور،، القاهرة 1983، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 201 .

15 ـ الفارابي، السياسة المدنية، مصدر سابق، ص 12 .

16 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 115

17 ـ المصدر نفسه، ص 115.

18 ـ الفارابي، فصول منتزعة، مصدر سابق، ص ص 63/ 64.

19 ـ الفارابي، السياسة المدنية، مصدر سابق، ص 12.

20 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 105.

21 ـ هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية،ترجمة نصير مروة و حسن قبيسي، بيروت 1983، عويدات، الطبعة الثالثة، ص 251 .

22 ـ جون جوليفيه، تقديمه لكتاب جاك لانغاد : من القرآن إلى الفلسفة، اللسان العربي و تكوين القاموس الفلسفي لدى الفارابي، ترجمة وجيه أسعد، دمشق 2000، منشورات وزارة الثقافة / الجمهورية العربية السورية، ص 6 .

23 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 89

24 ـ عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة السياسية عند الفارابي، بيروت 1986، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، ص 111.

25 ـ S. Munk . Mélanges de philosophie juive et arabe .J.Vrin.Paris1988.p346

26 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 116.

27 ـ الفارابي، فصول منتزعة، مصدر سابق، ص 64 .

28 ـ الفارابي، كتاب الملة و نصوص أخرى، تحقيق و تقديم و تعليق محسن مهدي، بيروت 1991، دار المشرق، الطبعة الثانية، ص 44 .

29 ـ المصدر نفسه، ص 47 .

30 ـ الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، مصدر سابق، ص104.

31 ـ الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق و تقديم و تعليق عثمان أمين، باريس 2008، دار بيبليون، ص 64 .

32 ـ الفارابي، كتاب الملة و نصوص أخري، مصدر سابق، ص 44 .

33 ـ Jean Jolivet . l’intellect selon Alfarabi : Quelques remarques in : Philosophie médiévale arabe et latine .J.Vrin. Paris1995. p219

34 ـ الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق و تقديم و تعليق : محسن مهدي، بيروت 1990، دار المشرق، طبعة ثانية، ص 156.

35 ـ الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، مصدر سابق، ص 84

36 ـ المصدر نفسه، ص 85 .

37 ـ ابن طفيل، حي بن يقظان، تقديم و تحقيق فاروق سعد، تونس1983 : الدار العربية للكتاب، الطبعة الرابعة،ص 113.

38 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

39 ـ الفارابي، رسالة في السياسة، ضمن مجموع في السياسة، تحقيق و دراسة فؤاد عبد المنعم أحمد، الإسكندرية، دون تاريخ، مؤسسة شباب الجامعة، ص 8 .

40 ـ Louis Gardet . Dieu et la destinée de l’homme .J. Vrin. Paris 1967 .p 143

__________________


12

Fermé |
You're on my official's WEB... |
air du temps |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | civod
| asmablog
| Humeur, Politique, Connerie...