Bienvenue sur mon blog

12 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

الفلسفة والنبوة عند الفارابي

الثلثاء 19 كانون الثاني (يناير) 2010
بقلم فريد العليبي / عن موقع الاوان

حظيت مسألة النبوّة بحضور لافت في مناقشة الفلاسفة العرب الظاهرة الدينية، لما لها من أهمّية في الإبانة عن الأسس التي تستمدّ منها ماهيتها، ولعلاقتها الوثيقة بقضايا أخري تنتمي إلى السجلّ ذاته مثل الوحي والمعجزة والإلوهية، ونروم هنا الوقوف على مقاربة الفارابي لهذه المسألة، التي نلاحظ تضمّنها جملة من المفاهيم مثل الوحي والعقل والخيال، واهتمامها بمجموعة من الأسئلة منها : إلى أيّ حدّ يستوفي وصف النبيّ بالمصطفي مهمّة تعريفه؟ وأيّة سلطة يمتلكها النبيّ وما مجالاتها؟ وأيّهما أرفع شأنا، الفلسفة أم النبوة؟ وهذا ما يؤكّد أهمية نظرية النبوّة لديه، إلى الحدّ الذي اعتبر فيه بعضهم أنّ ما يسمّى فلسفة الفارابي السياسية ليس إلا نظريته في النبوّة(1)، ممّا يستدعي النظر في مضامين تلك المقاربة، وتبيَن صلتها بما هو سياسيّ.

لقد نظر المعلّم الثاني إلى الفلسفة باعتبارها معنيّة بتلك الأسئلة، معرّفا إياها بـ »أنّها العلم بالموجودات بما هي موجودة »(2)، لاختصاصها بالنظر في ماهيات الموجودات من خلال تتبع مساراتها، وصولا إلى الإمساك بجذورها أو ما اعتبره أرسطو عللها ومبادئها الأولى.

لأجل هذا اتّجه حديثه عن النبوّة ناحية تناول المرتكزات التي تنبني عليها، فبحث في ملكات الإنسان المعرفية، فهناك العقل والحسّ والخيال، وتفريعه لتلك القوى، وخوضه في ماهياتها، وإقامة الروابط المتبادلة بينها، متّصل في وجه من وجوهه بمطلب تفسير ظواهر تبدو مستعصية على الفهم، مثل ظاهرة الوحي، التي أحاطها القول الدينيّ بهالة من القداسة والغموض، فأضحت سجينة مجال الإيمان، وغريبة بالتالي عن مجال المعرفة العقلية.

وإذا كان الفارابي يقدّر قيمة كلّ قوّة من قوى النفس حسب دورها في العملية المعرفية، فإنّ الميسم العقليّ الذي يطبع فلسفته، يجعل العقل لديه يحظى بمنزلة مخصوصة، فهو يعتبره حجّة وقوّة تمارس نفوذها على سائر القوى الأخرى، وهو قد يكون برأيه في فرد، وقد يكون في مجموعة. والوضع الأمثل من جهة ضمان اليقين هو أن يكون في مجموعة، فاتفاق العقول المختلفة يجب أن يسبقه التحليل والنقــــــاش والنقد، ومواجهة الآراء ببعضها البعض، فـ « العقل عند الجميع حجّة، ولأجل أنّ ذا العقل ربّما يخيّل إليه الشيء بعد الشيء، على خلاف ما هو عليه، من جهة تشابه العلامات المستدلّ بها على حال الشيء، اُحتيج إلى اجتماع عقول كثيرة مختلفة، فمهما اجتمعت فلا حجّة أقوى، ولا يقين أحكم من ذلك. »(3)، فإذا تضاربت الآراء، ثم استقرّت على نتيجـــة ما، فإنّ ذلك يكون أصوب، وبالتالي يكون أساس الاجتهاد مكينا إذا ما تعدّدت مصادره.

ولا يعني هذا أنّ الاجتماع على رأي واحد يكون صائبا في كلّ الحالات، إذ ينبّه إلى إمكانية استناد ذلك إلى تقليد شخص بعينه، له نفوذه على البقية، فـ « لا يغرنّك وجود أناس كثيرة على آراء مدخولة، فإنّ الجماعة المقلّدين لرأي واحد، المدّعين لإمام يؤمّهم فيما اجتمعوا عليه، بمنزلة عقل واحد « ( 4).

وعلى هذا النحو يُعظّم العقل ويدعو إلى الأخذ بالآراء التي تكون ناتجة عن تمحيص عقول كثيرة، فالقوّة الناطقة « هي التي تكون بها الفكرة والروية والتأمّل والاستنباط « (5)، بها يدرك الإنسان المعقولات الأولى ويبلغ استكماله الأوّل، وتلك خطوة فقط على سبيل تحصيل السعادة، أو ما يسميه أيضا الاستكمال الأخير و »نهاية الكمال الإنسانيّ »(6)، فبالعقل يترقّى الإنسان فيدرك أعلى درجات كماله، والوصل بين العقل والسعادة يشي هنا بالوصل بين لمعرفة والايتيقا.

وهو يُنسّب مفهوم العقل، مُتناولا إياه من زاوية تعدّد دلالاته حسب السياقات المختلفة التي يرد فيها، فهناك العقل بالقوة والعقل بالفعل والعقل المستفاد والعقل الفعّال، وهو يُقرّ امتلاك الإنسان للعقل بالقوّة بحكم الفطرة. والمعني هنا هو ما يُسمّى لديه ولدى أرسطو القوّة الناطقة، فهذا العقل هيئة طبيعية، بواسطته ترتسم وتنطبع المعارف المختلفة، وهي متعددة متكثرة بتعدّد البشر فـ »العقل الذي هو بالقوة هو نفس أو جزء نفس أو قوّة من قوى النفس أو شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن تنزع ماهيات الموجودات كلها، وصورها دون موادها، فتجعلها كلّها صورة لهـا أو صورا لها، وتلك الصور المنتزعة عن الموادّ ليست تصير منتزعة عن موادها التي فيها وجودها إلا بأن تصير صورا لهذه الذات، وتلك الصور المنتزعة عن موادها الصائرة صورا في هذه الذات هي المعقولات، وأشتقّ لها هذا الاسم من اسم تلك الذات التي انتزعت صور الموجودات فصارت صورا لها »(7)، وبهذا العقل يكتسب الإنسان العلـوم والصناعات.

أمّا العقل بالفعل، فيعني لديه حصول المعقولات في العقل بالقوّة، مما يُحوّله إلى عقل بالفعل، فالعقل بالقوة عندما يُدرك المعقولات يكون قد وصل إلى أعلى استكمالاته فيصبح عقلا بالفعل، فـ »هذا العقل قد يكون بالقوّة عندما لا تكون هذه الأوائل حاصلة فيه، فإذا حصلت له صار عقلا بالفعل، وقوي استعداده لاستنباط ما بقي »(8)، أمّا العقل المستفاد فله قدرة إدراك ذاته بذاته، كما يدرك ماهيات الأشياء، أي إنّه يعقلها، وهو يتّصف بطابع التجريد، فـ »العقل بالفعل متى عقل المعقولات التي هي صور له من حيث هي معقولة بالفعل، صار العقل الذي كنا نقول أوّلا إنّه العقل بالفعل هو الآن العقل المستفاد « (9).

وهناك أيضا العقل الفعّال، عاشر العقول المفارقة، وهو بالمعنى الأنطولوجي عقل مفارق وجوهر واحد مجرّد، وعنه تفيض الحقائق، وهو مُدبّر عالم ما تحت فلك القمر، ومُحوّل المعقولات بالقوّة إلى معقولات بالفعل.

ويرتّب الفارابي الموجودات صعودا ونزولا، فانطلاقا من الأسفل إلى الأعلى نجد على التوالي المادّة الأولى، فالطبيعة، وصولا إلى العقل المستفاد، ومنه إلى الحدّ الفاصل بين عالمي ما فوق فلك القمر وما تحته، أو عالم المادّة والكون والفساد من جهة، والعالم المفارق من جهة ثانية، حيث نجد في أوّل مراتبها العقل الفعّال، يقول الفارابي « المبادئ التي بها قوام الأجسام والأعراض التي لها ستّة أصناف، لها ستّ مراتب عظمى، كلّ مرتبة منها تحوز صنفا منها، السبب الأوّل في المرتبة الأولى، الأسباب الثواني في المرتبة الثانية، العقل الفعّال في المرتبة الثالثة، النفس في المرتبة الرابعة، الصورة في المرتبة الخامسة، المادّة في المرتبة السادسة « (10)، فالموجودات والعقول من ضمنها، متنوّعــــة ومنظمة الترتيب، وإذا كان العقل الفعّال متعاليا فإنّ العقل بالقوّة (العقل الهيولاني / القوة الناطقة) والعقل بالفعل (العقل المنفعل) والعقل المستفاد، ليست على تلك الحال، فهذه العقول الثلاثة توجد في الإنسان نفسه. وهي تتحوّل إلى بعضها البعض، فهي متحركة، يقول الفارابي في إشارة إلى الروابط المتبادلة بينها وكيف يتوّج مسارها ببلوغ الإنسان أعلى مراتب التعقل : « إذا جعلت الهيئة الطبيعية (القوة الناطقة) مادّة العقل المنفعل الذي صار عقلا بالفعل، والمنفعل مادّة المستفاد، والمستفاد مادّة العقل الفعال، وأخذت جملة ذلك كشيء واحد، كان هذا الإنسان هو الإنسان الذي حلّ فيه العقل الفعّال. وإذا حصل ذلك في كلا جزئي قوّته الناطقة، وهما النظرية والعملية، ثمّ في قوّته المتخيّلة، كان هذا الإنسان هو الذي يوحى إليه، فيكون الله عزّ وجلّ يوحي إليه بتوسّط العقل الفعّال، فيكون ما يفيض من الله، تبارك وتعالى، إلى العقل الفعّال، يفيضه العقل الفعّال إلى عقله المنفعل، بتوسّط العقل المستفاد، ثمّ إلى قوّته المتخيّلة، فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيما فيلسوفا ومتعقّلا على التمام، وبما يفيض منه إلى قوّته المتخيّلة نبيّا منذرا بما سيكون، بما هو الآن من الجزئيات بوجود يعقل فيه الإلهيّ، وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية، وفي أعلى درجات السعادة  » (11).

وعلى هذا النحو فإنّ الإنسان الذي بلغ هذه المرتبة هو الفيلسوف الذي تتجلّى أمامه الحقائق في أبهى صورها، ويختلف النبيّ عنه من جهة إدراكه تلك المرتبة لا بواسطة العقل وإنما بواسطة المتخيّلة، فالعقل الفعّال يمكّن الإنسان من بلوغ الغاية القصوى ونعني سعادته، وعندما يبحث الفارابي عن صنو لكلامه هذا في النصّ المقدس يقول : »العقل الفعّال هو الذي ينبغي أن يقال إنّه الروح الأمين وروح القدس « .(12)

ويربط المعلم الثاني بين العقل والتعقل الذي يكمن في »القدرة على جودة الرويَة واستنباط الأشياء التي هي أجود وأصلـــــح »(13)، ويظلّ مجال السياسة والأخلاق الفضاء الأرحب الذي تُطلب ضمنه الغاية القصوى من التعقّل، فالمقصد « ليس الخيرات الخاصة، بل الخير المطلق الذي هو السعادة »(14) والنبوّة تتنزّل ضمن هذا السياق على وجه التحديد، أي ضمن ما هو عمليّ.

وفضلا عن ذلك يقوم الفارابي بضبط الوظيفة التي تنهض بها المتخيّلة، فهي « التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحسّ، وتركّب بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض، في اليقظة والنوم، تركيبات وتفصيلات بعضها صادق وبعضها كاذب ». (15) وهي يمكن أن تكون لدي فرد ما قويّة وكاملة، فيضعف تأثير المحسوسات فيها، كما أنّ العقل أو القوّة الناطقة لا تستنفدها بالكامل، ومن ثمّة تظلّ لها قدرات لا يُستهان بها، فتتمكّن من تخيل ما ليس له وجود واقعيّ، وهذه الصور المتخيّلة تؤثّر في القوة الحاسّة، فيري صاحبها تلك الصور كما لو كانت حقيقة واقعة، وكلّما كانت تلك الصور حسب الفارابي « في نهاية الجمال والكمال قال الذي يرى ذلك إنّ لله عظمة جليلة عجيبة، ورأى أشياء عجيبة لا يمكن وجود شيء منها في سائر الموجودات أصلا « (16).

وهكذا فإنّه إذا كانت المتخيّلة قوية، وكانت المحسوسات ضعيفة التأثير فيها، وكان العقل غير قادر على الحدّ من اندفاعاتها، فإنّها تفعل فعلها في اليقظة كما في المنام، فتستولي على صاحبها، فترتسم تخيّلاته في حاسّته المشتركة، وتبدو كما لو كانت حقائق واقعة مرئية، لا يخالطها الشك والالتباس، فيتقبّل ذلك الشخص في اليقظة وفي المنام صورا عما سيحدث في المستقبل، أو عما هو حادث في الحاضر، فما يفيض عليه من العقل الفعّال يكون مرئيا لديه وتلك هي مرتبة النبوّة، وهي أكمل المراتب التي يصل إليها الإنسان بقوته المتخيّلة، يقول الفارابي: « ولا يمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوّته المتخيّلة نهاية الكمال، فيقبل، في يقظته، عن العقل الفعّال، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، ويراها، فيكون له بما قبله من المعقولات، نبوّة بالأشياء الإلهية، فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها المتخيّلة، وأكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوّته المتخيّلة  » (17).

والخيال متّصل بالعواطف والانفعالات، وهو يمارس تأثيره في الإنسان الذي ينزع جراء ذلك إلى القيام بهذا الفعل أو ذاك دون حصول تصديق أو روية بالمعني العقليّ، فالاقتناع هنا ليس شرطا ضروريا للفعل، بل الشرط هو المنزع العاطفي الموصول بالتخييل والحاصل في النفس، فـ « جودة التخييل غير جودة الإقناع. والفرق بينهما أنّ جودة الإقناع يقصد بها أن يفعل السامع الشيء بعد التصديق به. وجودة التخييل يقصد بها أن تنهض نفس السامع إلى طلب الشيء المخيّل والهرب منه أو النزاع إليه أو الكراهة له، وإن لم يقع به تصديق، كما يعاف الإنسان الشيء إذا رآه يشبه ما سبيله أن يعاف في الحقيقة، وإن تيّقن أنّ الذي رآه ليس هو ذلك الشيء الذي يعاف. وتستعمل جودة التخييل فيما يسخط ويرضي، وفيما يفزع ويؤمّن، وفيما يليّن النفس وفيما يشدّها وفي سائر عوارض النفس. ويقصد بجودة التخييل أن يتحرك الإنسان لقبول الشيء وينهض نحــــوه وإن كان علمه بالشيء يوجب خلاف ما يخيَل له فيه. وكثير من الناس إنما يحبون ويبغضون الشيء ويؤثرونه، يجتنّبونه بالتخيّل دون الرويّة، إما لأنّه لا رويَة لهم بالطبع أو أن يكونوا اطّرحوها في أمورهم  » (18).

والمتخيّلة ليست حـكرا على الإنسان إذ يمكن للحيوان امتلاكها، يقول: « وأمّا الحيوان غير الناطق فبعضه يوجد له القوى الثلاث الباقية دون الناطقة. والقوّة المتخيّلة فيه تقوم مقام القوّة الناطقة في الحيوان الناطق »(19). وربّما كان الفارابي يستحضر ما يشير إليه النص القرآنيّ من أنّ بعض الحيوانات والحشرات تتلقّى الوحي مثل النحل، ففي القرآن نقرأ الآيات التي تقول : وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ 68 ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 69 سورة النحل 68/96.

وبالإضافة إلى تعدّدها فإنّ الملكات المعرفية مرتّبة تفاضليا، بل إنّ الملكة الواحدة تتفاضل من حيث درجاتها، فهناك من يبلغ مرتبة العقل الفعّال بقوّته الناطقة، وهناك من يعجز عن ذلك، كما هناك من مخيّلته متطوّرة فيبلغ العقل الفعال ويكون نبيّا، ومن مخيّلته ضعيفة فلا يدرك تلك المرتبة. وفي علاقة بذلك يستعمل الفارابي مفاهيم مثل الاختيــــــــار والإرادة الذين يحيلان على مجال العمل / العقل العملي، فـ »النزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الإرادة، فإن كان ذلك النزوع عن إحساس أو تخيّل سمّي بالاسم العامّ وهو الإرادة، وإن كان ذلك عن رويّة أو نطق في الجملة سمّي الاختيار، وهذا يوجد في الإنسان خاصة. وأما النزوع عن إحساس أو تخيّل فهو أيضا في سائر الحيوان » (20) فالإرادة مشتركة بين الإنسان والحيوان من حيث امتلاكها، وهي مؤسّسة على الإحــساس والخيال، فالإنسان والحيوان كلاهما له نزوع يصدر عن الإحـــساس والخيال، أمّا الاختيار فخاصية إنسانية بحتة، لتفرد الإنسان بالنــــــطق والرويّة، أي بالعقل والتعقّل، فالمقصد هنا هو رسم معالم الفرق بين الإنسان والحيوان، والإعلاء من شأن العقل والاختيار، قياسا إلى الإحساس والخيال والإرادة. وغير خاف انحيازه هنا إلى العقل والفلسفة، وهو ما ألمحنا إليه سابقا. فما يحدّد ماهية الإنسان ليس الحسّ ولا الخيال، وإنّما العقل على وجه الحصر والتقييد، ووسمه الفعل الإنسانيّ بالاختيار يتصادم مثلما هو بيّن مع النزعة الجبرية.

وبموجب ذلك الترتيب تحتل القوة الناطقة أو العقل القمّة بينما تأتي المخيّلة بعدها، وتليها القوّة الحاسّة. وكل قوّة تتحكّم في القوّة التي تليها. ومن استتباعات ذلك التساؤل عما إذا كان الفارابي يقيم مفاضلة بين النبي والفيلسوف؟ وقد انقسم الباحثون هنا إلى فريقين فبينما يرى كوربان أنّ »من الخطأ القول بأنه (الفارابي) وضع الفلسفة فوق النبوة »(21)، يؤكد جون جوليفيه العكس مشيرا إلى النتائج التي توصّل إليها الفارابي وهي « تفوّق الفلسفة على الدين »(22)، فعلى صعيد النظر العقليّ تُعتبر القوّة الناطقة صورة للمتخيّلة، وهي ليست مادّة لما عداها إذ لا قوّة من قوى النفس أعلى منها فـ » القوة الناطقة لا رواضع ولا خدم لها من نوعها في سائر الأعضاء، بل إنما رئاستها على سائر القوى… فهي رئيسة القوة المتخيّلة، ورئيسة القوّة الحاسّة… ورئيسة القوّة الغاذية » (23)، فهي ترأس المتخيلة والقوّة الحاسّة على حدّ السواء، بينما المتخيّلة مادّة للعقل، وغنيّ عن البيان أنّ الصورة لدى أرسطو كما هو الحال لدى الفارابي أرفع شأنا من المادّة. ومن ثمّة فإنّ الاستتباع المنطقيّ لا بدّ أن يكون رفعة الفلسفة.

تقترن النبوّة إذن بالخيال، وذلك وفق سيرورة معقّدة فهنــــاك الأّوّل / الله، ومنه يتقبّل العقل الفعّال الحقائق، ويتلو ذلك العقل المستفاد ثمّ العقل المنفعل فالمخيّلة، وهذه تلعب أدوارا متعدّدة كتمثّل ما نرغب فيه أو ما نخاف وقوعه، واستدعاء أمور وقعت سابقا، وما ظلّ في الذاكرة من المحسوسات، والتنبّؤ بما يمكن أن يحدث مستقبلا، وتركيب صور حسية مختلفة في شكل موجودات تفتقر إلى الوجود واقعيا، وتقوم المخيّلة أيضا بترجمة ما هو مجرّد إلى صور حسّية عبر المحاكاة، وهنا بالذات تتكشّف وظيفة النبيّ الذي يحوّل « الحقائق » الإلهية المجردة التي تفيض عليه من العقل الفعّال إلى صور حسّية يمكن للجمهور تقبّلها، وذلك بالإخبار بما سيكون من حوادث في المستقبل، والإبانة عن مكوّنات الوقائع المحيطة بالناس، فالنبيّ مخبر ومنذر ومتنبّئ، عبر ضرب الأمثال ورواية القصص واعتماد الرموز.

وهذا يمكن أن يحصل لأيّ إنسان كانت مخيّلته قويّة، ممّا يعني أنّ النبوّة لا تفسّر بالاصطفاء، فالنبيّ صاحب مخيّلة كاملة وقوية ليس أكثر، ممّا يمكّنه من الاتّصال بالعقل الفعاّل الذي يفيض عنه الوحي، إذ « ليست النبوّة (عند الفارابي) أمرا خارقا للطبيعة »(24)، فالفارابي يفسّرها عقليا، وبالتالي يخضعها إلى النظر الفلسفيّ، فتكفّ عن أن تكون سرّا مقدّسا، فـ »عندما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة (الاتصال بالعقل الفعّال) يمكننا أن نقول عنه إنّه حصل على الوحي النبويّ، إذ أنّ الإنسان هو على الحقيقة نبيّ عندما لا يكون هناك أيّ انفصال، أي حجاب بينه وبين العقل الفعّال »(25).

ويلاحظ الفارابي أنّ هنالك مراتب أدنى من مرتبة النبوّة من حيث قوّة المتخيّلة، يندرج ضمنها من يرى ما يراه النبيّ ولكنّه يراه مجزّءا، بعضه في اليقظة وبعضه في المنام، ومن يتخيّل كلّ ذلك، ولكنه لا يراه ببصره، ومن يرى كل ذلك ولكن أثناء النوم فقط.

وحديثه عن المنام باعتباره من فعل المخيّلة وثيق الصلة بالحديث عن النبوّة التي تشترك معه في ذلك، فإذا كان المنام ينطلق من صور حسّية فيقوم بقولبتها وإعادة تركيبها، فإنّ الوحي ينطلق مما يفيض على النبيّ من حقائق بتوسّط العقل الفعّال، فيقوم بإعادة تنظيمها وفق صور حسّية تتناسب وأذهان الناس، فالمشترك هنا هو تلك الوظيفة التي تنهض بها المخيّلة وإن تمّت في اتّجاهين مختلفين، من الحسّ إلى الخيال في حال المنام، ومن الخيال إلى الحسّ في حال النبوّة.

وفي الحالتين يتطلّب الأمر تفسيرا، وإذا كان الإنسان قد بحث عن تأويل وتفسير لأحلامه باستمرار، فازدهرت بذلك مباحث تفسير الأحلام سواء في شكلها العلميّ أو في شكلها ما قبل العلميّ، فإنّ الوحي عرف الأمر ذاته، بدءا بتفسير الأنبياء أنفسهم لما جاؤوا به، ثمّ تفسير من جاء بعدهم من الفقهاء والمتكلمين، وصولا إلى الفلاسفة وعلماء الإنسانيات.

ولا يفوّت الفارابي هنا الفرصة دون لفت النظر إلى ما قد يحصل من فساد الخيال لدى بعضهم، وصولا إلى حالة الجنون، فـ « قد تعرض أيضا للإنسان عوارض، فيفسد بها مزاجه وتفسد تخاييله؛ فيرى أشياء ممّا تركبه القوة المتخيّلة على تلك الوجوه ممّا ليس لها وجود، ولا هي محاكاة لموجود. وهؤلاء الممرورون والمجـانين وأشباههم.  » (26) كما يدرج الأشعار ضمن مجال التخييل (27)، وهو العارف بأنّ جمالها يزداد اطرادا مع إيغالها في الكذب، فأعذب الشعر أكذبه كما سوف يقول لاحقا ابن رشيق القيرواني. والملاحظ أنّ العديد من الأنبياء قد وصفهم معارضوهم خلال نشر دعوتهم بأنهم مجانين، أو شعراء أو كهّان، وهو ربّما ما كان حاضرا في ذهن الفارابي، ففي سورة الحاقة نقرأ الآيات التي تقول : « إنّه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكَرون. تنزيل من ربّ العالمين « .

إنّ امتلاك الإنسان، أيّ إنسان، القوّة المتخيلة معناه أنّ بإمكانه تقبّل الوحي شرط أن تكون تلك القوّة قوية لديه. وعلى هذا النحو يُجرّد الفارابي النبيّ ممّا يُضفى عليه من هالة قدسية وصور عجائبية، كما يجرّد الوحي من طابعه اللاهوتيّ وتعاليه عن الحياة الواقعية للبشر، عبر تفسير عقليّ يجعل النبوّة كما ذكرنا ظاهرة قابلة للتعليل المنطقي، بردّها إلى قوة المخيّلة. وبهذا ينزل بالوحي إلى مستوى الظاهرة القابلة للدراسة والفهم، فتكفّ بذلك عن أن تكون لغزا ربّانيا مفارقا، يقول: » وقد تبيّن في العلم النظريّ كيف يكون وحي الله تعالى إلى الإنسان الذي يوحي إليه، وكيف تحصل في الإنسان القوّة عن الوحي والمُوحي » (28).

يتلقّى النبي إذن حقائقه عن طريق الوحي، فهو يرتبط بالإله / الأوّل عبر وسيط هو جبريل/ العقل الفعّال / الروح الأمين، وتؤدّي هنا المخيّلة وظيفتها من حيث كونها تجعله يرى ما يوحى إليه كما لو كان ماثلا فعلا أمامه، وما يتلقّاه النبيّ وحيا يقوم بترجمته حسيا للجمهور لكي يتناسب مع ذهنه، كما ذكرناه سابقا، فيقبله دون ارتياب، مستعملا سحر البيان فالنبيّ يخاطب الناس حسب ما يفهمون (خاطب الناس بما يفهمون)، والشخص الذي حلّ فيه العقل الفعال بواسطة المتخيّلة هو الذي نسمّيه نبيّا.

وفي المقابل لا يدرك الفيلسوف الحقائق بواسطة الخيال وإنما بواسطة العقل، وعبر الاتصال بالعقل الفعّال، فترتسم لديه الحقائق المجردة البرهانية، وإذا كانت الطريقة الجدلية قاصرة عن بلوغ اليقين، فإن الطريقة البرهانية هي سبيل تحصيله، فـ « الجدل يعطي الظنّ القوي فيما تعطي (.. ) البراهين اليقين أو في كثير منها » (29)، فطريق أصحاب الوحي والإلهام أي طريق الرسل والأنبياء والأولياء، وإن كان له تأثير عجيب في الجمهور، فإنّه غير طريق الفيلسوف الذي ينأى بنفسه عن العواطف والانفعالات، وينحاز إلى الحقائق في صفـــــــــائها وتجرّدها، فـ »طرق البراهين الحقيقة منشأها من عند الفلاسفة (……) وأما طريق البراهين المقنعة المستقيمة العجيبة النفع فمنشأها من عند أصحاب الشرائع، الذين عوضوا بالإبداع والوحي والإلهامات  » (30).

والفيلسوف معنيّ هنا بالانحياز إلى البرهان، في تضادّ مع الأفكار الشائعة والآراء الكاذبة والأوهام الساذجة، المنتشرة بين الجمهور، المقيّد بأغلال الجهل وسلاسل التقليد، فالعقل أفضل من الخيال، بغضّ النظر عن طبيعة الاستقبال الجمهوري للحقائق المجردة، الباردة هنا، والأوهام اللذيذة هناك، فما يضعه الفارابي في باب المعرفة العقلية نُصب العين ليس الجدوى العملية وإنما الضرورة العلمية.

إنّ رفعة الفيلسوف متأتّية إذن من رفعة خطابه، فالقياس أنــواع، والمعتمد منه من قبل الفيلسوف هو أفضلها، فالأقاويل البرهانية » هي التي شأنها أن تُفيد العلم اليقين في المطلوب الذي نلتمس معرفته، سواء استعملها الإنسان فيما بينه وبين نفسه في استنباط ذلك المطلـوب، أو خاطب بها غيره، أو خاطبه بها غيره في تصحيح ذلك المطلوب : فإنها في أحوالها كلها شأنها أن تفيد العلم اليقين، وهو العلم الذي لا يمكن أصلا أن يكون خلافه، ولا يمكن أن يرجع الإنسان عنه، ولا أن يُعتقد فيه أنه يمكن أن يُرجع عنه، ولا تقع عليه فيه شبهة تغلطه، ولا مغالطة تزيله عنه ولا ارتياب، ولا تهمة له بوجه ولا بسبب »(31). أما الأقاويل الجدلية فزائفة مضللة مغالطية، مثلها مثل الأقاويل السفسطائية والشعرية والخطابية بغض النظر عن اختلاف أهدافها وتنوع طرقها.

ويعتبر الفارابي أن من نظم البرهان وجعل منه صناعة قائمة بذاتها هو أرسطو، مُنبها إلى المخاطر المترتبة عن تفشي الأقوال الجدليـة والسفسطائية بين الأمم، إذ تؤدى إلى الانقسام والتفكك وبالتالي الهلاك.

وهو وإن كان ينحاز إلى الفيلسوف، فانه لا يطرد النبيّ من الحياة العامة، وإنما يحتفظ له بمهمة سياسية أخلاقية، فهو يمكن أن يكون حاكما للمدينة الفاضلة وبالتالي فإنّ حدود سلطته تتجاوز مجال الدين إلى مجال الحياة المدنية، فـ « الرئيس الأوّل الفاضل إنما تكون مهنته ملكية مقرونة بوحي من الله، وإنما يقدر الأفعال والآراء التي في الملّة الفاضلة بالوحي »(32)، غير أنه ليس الوحيد المؤهّل لذلك، فالفيلسوف وإن كانت أقواله البرهانية مستعصية على إدراك الجمهور، فإنّه مؤهّل لرئاسة المدينة الفاضلة، ممّا يعني أنّ رئيس المدينة الفاضلة يمكن أن يكون نبيّا أو فيلسوفا.

لأجل هذا يُبوّئ الفارابي النبيّ والفيلسوف أفضل الدرجات، فهما في أكمل المراتب الإنسانية، فكلّ منهما يمتلك نفسا كاملة متّصلة بالعقل الفعّال، ممّا يمكّنها من تلقّي الحقائق كلّ على طريقته كما بينّاه، يضاف إلى ذلك أنّه يمنحهما أشرف مهمّة على صعيد السياسة، وهي رياسة المدينة الفاضلة، فتلقّي الحقائق من خلال الاتّصال بالعقل الفعّال يمثّل شرطا أساسيا لتلك الرئاسة، وقد قارن الفارابي بين حقائق النبوّة وحقائق الفلسفة، مبيّنا أنّها ذات مصدر واحد هو العقل الفعّال، وإن كانت طرق تحصيلها مختلفة، وطبيعتهما مختلفة أيضا، فالحقيقة الفلسفية موسومة بالتجريد، فهي برهانية، أما الحقيقة النبوية فهي رمزية، محاكية لما يفيض عليها من العقل الفعال، يضاف إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقا من مقارنات بين العقل والخيال، والنبوة والمنام، والوظيفة السياسية التي يؤدّيها النبيّ والفيلسوف.

وهذا كله يتيح لنا أن نستنتج اعتماد الفارابي في نظره إلى النبوّة على منهج التحليل والمقارنة، لكي يصل في نهاية المطاف إلى جملة من الاستنتاجات فـ »المساواة الـظاهرية بين الفلسفة والنبوّة تنقطع لصالح الفلسفة، فوفقا لكتاب الملّة فإنّ الظروف الخاصة المتعلّقة بالجزء التطبيقيّ العمليّ للدين تندرج ضمن المبادئ الكونية للفلسفة العملية، وفي موازاة ذلك فإنّ الأفكار التأمّلية المتضمنة في الدين لها حجّتها في الفلسفة النظرية، وفي ظلّ هذه الشروط يمكننا القول مع كتاب الحروف إنّ الدين (الملة) يتبع الفلسفة »(33). وهكذا فإنّه إذا كانت المدينة تسير على هدى الفلسفة كانت مدينة فاضلة، أمّا إذا خضعت إلى تأثير الخطابـة والجدل والسفسطة، فتكون ضالّة فاسدة.

واشتراك النبيّ والفيلسوف في الاتصال بالعقل الفعّال لا يعني المساواة بينهما في المرتبة، فطالما كان العقل متفوّقا على الخيال فإنّ النبيّ أدنى درجة من الفيلسوف، رغم أنّ الفارابي في الآراء يحاول إخفاء موقفه هذا بتأكيد المساواة، فإنّنا عندما نستنطق تناوله للمسألة في كلّيته نلمح التميّز الذي عليه الفيلسوف، وما تعارض مع ذلك هو من باب الحذر الفلسفي الذي يستوجب إخفاء الموقف الحقيقيّ أحيانا، ففيلسوفنا كان على وعي بضرورة ذلك الإخفاء، ففي كتاب الحروف نراه يكتب « تلك الأمّة ليس سبيلها أن ُتعلم صريح الحقّ ولا الأمور النظرية كما هي، بل يكون سبيلها بحسب فطر أهلها أو بحسب الغرض فيها، أو منها أن لا تطلع على الحقّ نفسه، بل إنما تؤدّب بمثالات الحقّ فقط، أو كانت الأمّة أمّة سبيلها أن تؤدّب بالأفعال والأعمال والأشياء العملية فقط، لا بالأمور النظريـــــة أو بالشيء اليسير منها فقط « (34).

وقد أشار في « الجمع بين رأيي الحكيمين » إلى اعتماد أفلاطون الرمزية وتشديده على ألا تبث الحقائق لغير أهلها، وهذه الإفادة مهمّة في الكشف عن تعامله هو وأغلب الفلاسفة العرب مع مكانهم وزمانهم فقد لجأوا مرارا إلى الإخفاء، اتّقاء للاضطهاد، يقول « إنّ أفلاطون كان يمنع في قديم الأيام، عن تدوين العلوم وإيداع بطون الكتب دون الصدور الزكية والعقول المرضية، فلما خشي على نفسه الغفلة والنسيان وذهاب ما يستنبطه، وتعسّر وقوفه عليه، حيث استغزر علمه وحكمته، وتبسّط فيها، فاختار الرموز والألغاز، قصدا منه، لتدوين علومه وحكمته، على السبيل الذي لا يطلع عليه إلا المستحقّون لها، والمستوجبون للإحاطة بها، طلبا وبحثا وتنقيرا واجتهادا »(35).

لقد كان الفارابي على بينة من اختلاف الأفهام، فالناس مراتـــــب، والتصريح بما هو برهاني لغير أهله يمكن أن يجرّ على الفلسفة الويلات، لذلك يغدو لجوؤها إلى الرموز والألغاز مشروعا، ممّا يفرض على طالب حقائقها جهدا تأويليا. ولا شكّ أنّ أفلاطون والفارابي كانا وهما يقرّان مشروعية ذالك، يستحضران ما حصل لسقراط وغيره. فضلا عن الإفادة الحاصلة من إشارته إلى جواب أرسطو على ملاحظة أفلاطون التي يعاتبه فيها لتصريحه بحقائق الفلسفة لغير أهلها، فأرسطو ينحو المنحى نفسه مؤكدا ذلك قائلا وهو يخاطب أفلاطون:  » إني وإن دوّنت هذه العلوم والحكم المضمونة بها، فقد رتّبتها ترتيبا لا يخلص إليها إلا أهلها، وعبّرت عنها بعبارات لا يحيط بها إلا بنوها »(36).

لقد ألمحنا سابقا إلى اختلاف آراء الباحثين حول حقيقة وجهة نظر الفارابي بخصوص المفاضلة بين الفلسفة والنبوّة، وموقفه الحقيقيّ برأينا هو ذاك الذي أدركته عين ابن طفيل المتفحصة، فقد كتب يقول « ما صرّح به (الفارابي) من سوء معتقده في النبوّة، وإنها بزعمه خيالية، وتفضيله الفلسفة عليها » (37) والملاحظ أنّ الفيلسوف الأندلسيّ أحجم عن الكشف عن مواقف أخرى للمعلم الثاني تنحو المنحى ذاته، فقد قال إنّ هناك « أشياء ليس بنا حاجة إلى إيرادها »(38) في إشارة كما يبدو إلى اتساق أطروحة المعلّم الثاني حول النبوّة مع أطروحات أخرى لا نزال نجهلها بفعل ضياع بعض مؤلّفاته.

وفي الأخير لنا أن نسأل : ما الذي أملى على الفارابي الانشغال بإشكالية النبوّة؟ أليس هو العامل السياسيّ تحديدا، حيث الصراعات المحتدمة؟ ألا يتلمّس عبر ذلك حلا للمعضلة السياسية بوضع ضوابط عامة للسلطة السياسية، بما من شأنه أن يقي المدينة مخاطر التـفتت والسقوط والانكسار؟ ألا يكمن مطلب مبحث السياسة برأيه في رسم الحدّ الفاصل بين ما ينفع الناس وما يلحق بهم الضرر في شتى مناحي حياتهم العملية؟ وأنّ ذلك غير ممكن الإدراك دون تحليل وتمحيص لأحوال معاشهم أو ما سيسمّيه ابن خلدون لاحقا العمران البشريّ، فقد كان مدركا لما يقتضيه التدبير المدنيّ من وجوب النظر في الأوضاع المعيشية للبشر، فـ « إنّ أنفع الأمور التي يسلكها المرء في استجلاب علم السياسة أن يتأمّل أحوال الناس وأعمالهم ومتصرفاتهم، ما شهدها وما غاب عنها ممّا سمع وتناهى إليه منها، وأن يُمعن النظر فيها ويميّز بين محاسنها ومساوئها، وبين النافع والضارّ لهم منها، ثم يجتهد في التمسك بمحاسنها لينال من منافعها، وفي التحرّز والاجتناب من مساوئها ليأمن من مضارّها، ويسلم من غوائلها مثل ما سلموا »(39)، وبالتالي فإنّه على عكس الرأي الذي أشرنا إليه في مستهلّ هذا البحث، والذي يعتبر فلسفته السياسية فلسفة في النبوّة، فإنّنا نرى أنّه صاحب فلسفة سياسية تستدعي النبوّة، لاستنطاق قضايا سياسية وثيقة الارتباط بها، وهي تلك التي ما كان لها إلا أن تُطرح للبحث في محيط حضاريّ مشبع بحضور المقدّس الإسلاميّ، الذي عرف تشكّله في علاقة بشخصية النبيّ بالذات.

ونحن نُرجح أنّ المعلم الثاني كان على وعى بأنّ الفلسفة يمكنها تقديم حلّ لمشكلة السلطة السياسية، وأنّ عملية تعقّل الوحي يجب أن تتّجه مباشرة إلى الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلاميّ على وجه التحديد وهو النبوّة، ألا يعرف »الإسلام نفسه باعتباره مؤسّسا على واقعة النبوّة التي منها يستمدّ الحجج على صدقيته »(40)؟ وبالتالي فإنّ ذلك التعقّل يستوجب القطيعة مع ما دأب عليه المتكلّمون من دفاع جدليّ عن النبوّة، فكان عجزهم عن تمثّل حقيقتها، فمقام التفلسف ليس مقام الدفاع الخطابيّ بقدر ما هو مقام التعقّل والتروّي والبرهنة، إذ من شأن ذلك أن يفتح الأبواب على مصراعيها أمام تعقّل الحياة السياسية، وإلا فإنّ النبوّة وما يختلط بها من معتقدات سحرية وأسطورية سوف تفتك بالسياسة، وتجعل السلطة السياسية سلطة رذالة وسفاهة وتسلّط.

وبهذا فقد توسّل الفارابي مساءلة النبوّة ليقف علي أحد العوائق التي تقف في طريق عقلنة السياسي، غير أن تلك المساءلة على أهمّيتها ظلّت عاجزة عن الإفصاح عن نتيجتها المنطقية، وهي تلك التي لم يتردّد معاصره أبو بكر الرازي صاحب كتاب « مخاريق الأنبياء » في التصريح بها، ونعني طرد النبوّة تماما من الحياة العامّة، وبيان تهافت الأسس التي تقوم عليها، بينما احتفظ هو للنبيّ بدور سياسيّ أخلاقيّ كما ذكرنا، مع أنّنا ندرك معه ملامح الدعوة المبكرة إلى عقلنة السياسي، تلك العقلنة التي تستلزم من ضمن شروط كثيرة أخرى، استقلال الشأن السياسيّ الاجتماعي، وجعله يتطوّر وفق ديناميته الداخلية، والقطيعة مع نزعة إخضاعه لعوامل مفارقة غريبة عنه، ونعنى تحكّم المقدّس به، فقد مثل « الدينيّ » في الغالب عبئا ثقيلا على « السياسيّ »، وإن لم يتمّ الفصل بينهما فإنّهما متضرّران بنفس القدر، فالفارابي يسأل سؤالا راهنا بالنسبة إلى الحالة العربية، وإن كان بالمعايير الكونية قد غدا سؤالا متجاوزا.

الهوامش:

Henry Corbin. Histoire de la philosophie islamique. Gallimard. Paris ـ1 1986.p231

2ـ الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين،تحقيق و تقديم و تعليق ألبير نصري نادر، بيروت، دار المشرق، الطبعة الرابعة، ص 81 .

3 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

4 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

5 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم و تعليق ألبير نصري نادر، بيروت، دار المشرق، الطبعة الخامسة، ص 90 .

6 ـ الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ضمن : رسائل الفارابي، تحقيق موفق فوزي الجبر، دمشق 2006، دار الينابيع، الطبعة الأولى، ص 96 .

7 ـ الفارابي، رسالة في العقل، تحقيق موريس بويج، بيروت 1983، دار المشرق، الطبعة الثانية، ص ص12/13.

8 ـ الفارابي، فصول منتزعة، تحقيق و تقديم و تعليق فوزي مترى نجار، بيروت 1971، دار المشرق، ص 51.

9 ـ الفارابي، رسالة في العقل، مصدر سابق، ص 20 .

10 ـ الفارابي، السياسة المدنية، تونس 1994، سيراس للنشر، ص 9 .

11 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 125.

12 ـ الفارابي،السياسة المدنية، مصدر سابق، ص 11.

13 ـ الفارابي، فصول منتزعة، مصدر سابق، ص 55 .

14 ـ ماجد فخري، فلسفة الفارابي الخلقية و صلتها بالأخلاق النيقوماخية، ضمن : أبو نصر الفارابي في الذكرى الألفية لوفاته، تصدير إبراهيم مدكور،، القاهرة 1983، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 201 .

15 ـ الفارابي، السياسة المدنية، مصدر سابق، ص 12 .

16 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 115

17 ـ المصدر نفسه، ص 115.

18 ـ الفارابي، فصول منتزعة، مصدر سابق، ص ص 63/ 64.

19 ـ الفارابي، السياسة المدنية، مصدر سابق، ص 12.

20 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 105.

21 ـ هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية،ترجمة نصير مروة و حسن قبيسي، بيروت 1983، عويدات، الطبعة الثالثة، ص 251 .

22 ـ جون جوليفيه، تقديمه لكتاب جاك لانغاد : من القرآن إلى الفلسفة، اللسان العربي و تكوين القاموس الفلسفي لدى الفارابي، ترجمة وجيه أسعد، دمشق 2000، منشورات وزارة الثقافة / الجمهورية العربية السورية، ص 6 .

23 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 89

24 ـ عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة السياسية عند الفارابي، بيروت 1986، دار الطليعة، الطبعة الثالثة، ص 111.

25 ـ S. Munk . Mélanges de philosophie juive et arabe .J.Vrin.Paris1988.p346

26 ـ الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، ص 116.

27 ـ الفارابي، فصول منتزعة، مصدر سابق، ص 64 .

28 ـ الفارابي، كتاب الملة و نصوص أخرى، تحقيق و تقديم و تعليق محسن مهدي، بيروت 1991، دار المشرق، الطبعة الثانية، ص 44 .

29 ـ المصدر نفسه، ص 47 .

30 ـ الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، مصدر سابق، ص104.

31 ـ الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق و تقديم و تعليق عثمان أمين، باريس 2008، دار بيبليون، ص 64 .

32 ـ الفارابي، كتاب الملة و نصوص أخري، مصدر سابق، ص 44 .

33 ـ Jean Jolivet . l’intellect selon Alfarabi : Quelques remarques in : Philosophie médiévale arabe et latine .J.Vrin. Paris1995. p219

34 ـ الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق و تقديم و تعليق : محسن مهدي، بيروت 1990، دار المشرق، طبعة ثانية، ص 156.

35 ـ الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، مصدر سابق، ص 84

36 ـ المصدر نفسه، ص 85 .

37 ـ ابن طفيل، حي بن يقظان، تقديم و تحقيق فاروق سعد، تونس1983 : الدار العربية للكتاب، الطبعة الرابعة،ص 113.

38 ـ المصدر نفسه، الصفحة نفسها .

39 ـ الفارابي، رسالة في السياسة، ضمن مجموع في السياسة، تحقيق و دراسة فؤاد عبد المنعم أحمد، الإسكندرية، دون تاريخ، مؤسسة شباب الجامعة، ص 8 .

40 ـ Louis Gardet . Dieu et la destinée de l’homme .J. Vrin. Paris 1967 .p 143

__________________


Pas de commentaire
Laisser un commentaire



Laisser un commentaire

Fermé |
You're on my official's WEB... |
air du temps |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | civod
| asmablog
| Humeur, Politique, Connerie...