Bienvenue sur mon blog

جون لوك ومبدأ التسامح
15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

يعد جون لوك من بين رموز الفل
سفة السياسية في انكلترا خلال القرن 17، ولم يكن انشغاله بتحليل الظاهرة السياسية والوقوف على مضامينها وأبعادها منفصلا عن الأحداث الاجتماعية السياسية الكبرى التي عاصرها، فقد كان شاهد عيان على الصراع الضاري بين السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان من جهة والسلطة التنفيذية ممثلة في الملك من جهة ثانية، والحرب الأهلية التي انطلقت في انكلترا سنة 1640 وتطور الأحداث بعد ذلك إلى حد إعدام الملك سنة 1649 وإعلان الجمهورية.
غير أن الأمور لم تلبث أن سارت في اتجاه معاكس، ففي سنة 1660 أعيد الاعتبار للملكية، ورغم ذلك طرح على بساط الدرس المشكل الحقوقي المتصل بتحديد القوانين الدستورية التي على أساسها تمارس السلطة السياسية وظيفتها، واكتسب هذا الأمر مشروعية خاصة في ظل وضع مأزوم انتشرت فيه الجماعات الدينية التي أشهرت النصوص الدينية في وجه القوانين والتشريعات البشرية / الدنيوية مما طرح بحدة إشكالية علاقة الدين بالسياسة.
ومثلما ذكرنا فان لوك كان منخرطا في الأحداث السياسية، بل انه تقلد مناصب سياسية مهمة، وانخرط في حزب ليبرالي سري واتخذ لنفسه اسما مستعارا ، ولجأ إلى بلد آخر هربا من الملاحقة والاضطهاد، وبذلك فانه عايش تموجات واقعه السياسي بأغلب تفاصيله، ومن ثمة فإن إدراكه لضرورة دراسة المسالة السياسية من زاوية فلسفية كان كبيرا.
وتندرج نظريته السياسية ضمن فلسفات العقد الاجتماعي فهويعتبر أن الناس قد عاشوا في البدء في الحالة الطبيعية، حيث لم تكن هناك قوانين ولا دساتير، مما يتطلب المضي في اتجاه تأسيس الحالة المدنية التي يجب أن تنتظم وفق سلطة القوانين وحدها، وهوبذلك يشغل موقعه ضمن كوكبة من الفلاسفة الذين اصطلح على تسميتهم بفلاسفة العقد الاجتماعي أمثال روسووهوبس وسبينوزا. 
وبمناداته بالأخذ بالعقد الاجتماعي، فانه قد اتخذ موقفا مناهضا للملكية المطلقة، فهويمنح الشعب الحق في عزل حكامه إذا ما اقتضت الحاجة ذلك، ويجعل من المجتمع المدني سلطة موازية للمجتمع السياسي ( السلطة السياسية ).
وهو يؤلف بين سلطة القوانين وسلطة الأخلاق، فالفرد لا يخضع للعقد بفعل القوانين وحدها وإنما بفعل القناعة الأخلاقية أيضا، كما أنه لا يعتبر الفصل بين السلطات كفيلا وحده بضمان سيرورة جيدة للحياة السياسية، وإنما يجب أن يضاف إلى ذلك العمل بمبدأ التسامح ، لأجل ذلك يرى في الفصل بين الدين والسياسة أمرا لا غنى عنه وهذا ما تكشف عنه رسالته في التسامح، فقد أرجع الكثير من المشكلات السياسية إلى التعصب الناشئ عن الخلط الفاضح بين الدين والسياسة ، وبالتالي إلى غياب التسامح، فهو مع الرأي القائل أن يختار كل واحد طريقه إلى السماء بحرية، فالنزاع المذهبي يبذر الفرقة والانقسام داخل المجتمع ويحكم عليه بالهلاك.
وفي كتابه  » رسالة في التسامح  » ينزع عن الحاكم صفة الآمر المطلق، ويحصر سلطاته ويقيدها حيث يري انه لا ينبغي أن يتدخل إلا في ما يضمن السلام المدني وعليه أن يمنح الناس حرية الاعتقاد فالحاكم ليس له حق التدخل في هذا المجال، فالدين أمر يخص الفرد وحده، وهو علاقة شخصية بينه وبين الله إذ  » أن حقوق وسلطة السلطة المدنية تنحصر في المحافظة على الخيرات وتنميتها خصوصا دون غيرها، ولا ينبغي أو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى نجاة النفوس  » جون لوك، رسالة في التسامح ترجمها عن اللاتينية عبد الرحمان بدوي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 1988، ص 70.
وهو يري أن الدين لم يوجد لكي يحفز الناس علي التباغض والاقتتال وسفك الدماء، وإنما وجد لكي يجعلهم متضامنين فيما بينهم متسامحين مسالمين، بل انه يذهب إلى أكثر من ذلك فالتسامح ينبغي أن يكون المثل الأعلى للكنيسة نفسها قائلا : » إن الدين الحق لم يوجد للفخفخة المظهرية ولا لسيطرة الاكليروس ولا للعنف بل وجد لتنظيم حياة الناس وفقا للفضيلة والتقوى  » المصدر نفسه ص65.
وإذا كان هناك من حرب ينبغي إعلانها وشنها دون هوادة، فهي برأيه تلك التي يشنها المرء على رذائله وخطاياه، أما علاقة الناس فيما بينهم فيجب أن تتأسس علي المحبة المتبادلة ، ولا ضرر في أن يبدي الناس آراءهم بحرية لذلك ينبغي الإقلاع عن تكفير الناس واتهامهم بالهرطقة.
وبهذا يقلب لوك الأساس الذي يقوم عليه الإيمان الدارج ، فذلك الأساس لا ينبغي أن يكون تكفير الآخرين والانتصار لهذه الطائفة أو تلك وإنما مجاهدة النفس والتغلب علي الرذائل، أي إنه يحول هدف الحرب من الخارج إلى الداخل، من حرب بين الناس إلى حرب بين الإنسان وذاته، وعندها يصبح الإيمان أمرا شخصيا لا تتدخل فيه أي قوة خارجية، انه علاقة يقيمها المؤمن مع الله بكامل الحرية، والدولة نفسها لا ينبغي أن تفرض الدين / العقيدة علي مواطنيها فالسياسة مجالها الشأن المدني، والدولة معنية بالحفاظ علي ثروات الناس والذود عن حقوقهم أما ما يخص الإيمان فهو شأن شخصي / فردي ليس للدولة أن تتدخل فيه، فالله لم يفوض الدولة مهمة فرض هذه العقيدة أو تلك علي البشر، كما أن الأفراد لم يفوضوا الحاكم / الأمير/ السلطان مثل تلك المهمة، طالما يدخل ذلك ضمن نطاق خصوصياتهم لذلك يقول  » إنّ رعاية النفوس لا يمكن أن تكون من اختصاص الحاكم المدنيّ لأنّ كلّ سلطة تقوم على الإكراه، أمـــــــــا الدين الحق المنجي فيقوم على الإيمان الباطن في النفس «  المصدر نفسه ص71.
وبهذا يدافع لوك عن حرية المعتقد، فكل طائفة وكل فرد حَر له الحق في اعتناق الدين الذي يشاء، وهو مسؤول عن ذلك أمام الله فقط، شرط أن لا يلجأ إلى فرض معتقداته على الآخرين بالقوة والقمع والاضطهاد.
ويذهب إلى أبعد من ذلك لكي يبرز انّه حتى في حال ما إذا استعمل الحاكم / الدولة وسائل الإكراه والزجر لإجبار الناس على اعتناق هذه العقيدة أو تلك فانه لن يفلح في ذلك، فالإيمان مسألة داخلية وأفكار الناس لا يمكن تغييرها بغير الإقناع، يقول  » إن من طبيعة العقل الإنساني انه لا يمكن إكراهه بواسطة أية قوة خارجية، صادر إن شئت أموال إنسان، واسجن بدنه أو عذبه، فانّ أمثال هذه العقوبات لن تجدي فتيلا إذا كنت ترجو من وراء ذلك أن تحمله علي أن يغير حكم عقله على الأشياء «  المصدر نفسه ص71، ثم يردف مستخلصا  » إن السلطة المدنية لا ينبغي لها أن تفرض عقائد الإيمان بواسطة القانون المدني، سواء تعلق الأمر بالعقائد أو بأشكال عبادة الله  » المصدر نفسه ص 72.
وبهذا يرسم خط فصل بين السياسة والدين، بين الدولة التي تهتم بالدنيا والدين الذي يهتم بالآخرة، ويشترك مع سبينوزا في الكثير من الآراء، مما يتطلب إقامة مقارنة بين هذين الفيلسوفين الذين وجدت فيهما الثورة البرجوازية الديمقراطية بعض فقرات إنجيل خلاصها من الاستبداد الإقطاعي الملتحف بالمقدس. وما تقدم ذكره يتيح لنا أن نستنج أن الليبرالية قد انبثقت فلسفيا من مؤلّفات جون لوك بالذات وأنّ العلمانية تجد فيه أحد أبرز أعلامها.


Pas de commentaire
Laisser un commentaire



Laisser un commentaire

Fermé |
You're on my official's WEB... |
air du temps |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | civod
| asmablog
| Humeur, Politique, Connerie...