Bienvenue sur mon blog
  • Accueil
  • > Non classé
  • > الحرب على الإرهاب : التقنية والإيتيقا في خدمة العدوان

الحرب على الإرهاب : التقنية والإيتيقا في خدمة العدوان
15 avril, 2010, 15:21
Classé dans : Non classé

  



 

لم تنفك الفلسفة في حلّها و ترحالها تساءل الراهن الذي تحيا فيه و تتشكل حتى أنها أعتبرت عصرها ملخصا في مجال الفكر، كما أعتبر الفلاسفة أبناء عصرهم بامتياز. 

و مقالنا هذا سيتركز الحديث فيه على مساءلة الراهن في بعد من أكثر أبعاده التهابا ، و نعني الحرب المستعر أوارها في بقاع مختلفة من عالمنا تحت عنوان مثير: القضاء على الإرهاب ، أي إن مطلبنا هو الالتفات ناحية مكاننا و زماننا فـ « من أسرف في التطلع إلى ما كان يحدث في العصور الخالية ظل في العادة شديد الجهل بما يتم في زمانه » [1] . 

و إذا كانت الحرب في نسختها الراهنة تعتمد أشد التقنيات تعقيدا و أكثر الأسلحة تطورا فإن مساءلتها الفلسفية لا يمكن إلا أن تكون معنية بتحليل بعدها التقني ، حيث الحديث عن عمليات عسكرية دقيقة و نظيفة، و أسلحة ذكية لا تلحق الأذى إلا بالأشرار المارقين. 

كما أن الحديث عن هؤلاء الأشرار و اعتبار القضاء عليهم الغائية المحركة لهذه الحرب يضعنا بدوره أمام بعد آخر لا يقل أهمية يتصل بإيتيقا الحرب الدائرة حاليا، فإذا كانت الأخلاق هي مجموع القيم المعتمدة في عصر ما و مجتمع ما، فإن الإيتيقا بما تحمله من شحنة فلسفية و بعد تنظيرى تنشد إلى مقصد محدد و هو الحكم على الأفعال و أنماط السلوك، لكي نعرف ما إن كانت خيره أم شريرة. 

و الرهان الفلسفي الذي تبتغيه هذه المساءلة هو الدفع باتجاه فتح العين على الدمار الذي نحياه، تمهيدا لمواجهته مواجهة شاملة. فللفلسفة أن تقول كلمتها بصوت عال و أن تفكر في الراهن تحليلا و نقدا، و أن تجبر من حولها على التفكير فيما لم يفكروا فيه بعد. و ذلك في لحظة تاريخية موسومة في الأغلب بتتفيه الثقافة و استقالة المثقفين و انكفائهم على أنفسهم بعيدا عن صخب الحياة و ضوضائها، أو انخراطهم في ما هو سائد و التماهي مع نظمه و مؤسساته. 

و شأن الفيلسوف وهو يساءل هذه القضايا شأن من يحاول تمثل الوقائع بنقلها إلى مستوى المفاهيم و الإشكاليات. فإذا كانت تلك الوقائع شائكة فإن ما يبدو أمرا يتمتع بكامل الأولوية هو صياغة الأسئلة التي تطرحها، و عندما يحصل ذلك فإن إجتراح حلول لها يصبح قيد الإمكان. 

و ليس للفلسفة و هي تؤدي هذه المهمة إلاّ أن تتوسل سهل الكلام، و بالتالي أن تقطع مع عادة غدت رائجة ممثلة في اللجوء إلى أساليب الحذلقة النظرية، بتعقيد المسائل عوضا عن تبسيطها. أي إن المطلوب هو مواجهة ذلك الإرهاب الفكري المسلط على جموع واسعة من البشر من خلال تعقيد الأفكار و إحاطتها بهالة من الغموض و اللبس، تمهيدا للقول أنها لا تدرك إلا من قبل الخاصة، و بذلك يرفع سيف التعقيد لوأد الأفكار الواضحة و المتميزة. 

و لا يعني ذلك الركون إلى النزعة التسطيحية و تقريظ الابتذال، فهذه النزعة هي الوجه الآخر للتعقيد الذي ألمحنا إليه ، من حيث كونها تحول دون إدراك المسائل، محولة إياها إلى كاريكاتور لا يحيل إلى التفكير بقدر ما يحيل إلى التهكم، الذي برغم قيمته فإنه يظل ردّ فعل أولي يحب أن يتلوه التدقيق و التحقيق، فعندها فقط ترتسم أمامنا ملامح « الفلسفة (التي) تعيننا على القول في كل شيء قولا شبيها بالحقيقة » [2] . 

1- أطروحات فلسفية ثلاث حول الحرب 

كان للفلاسفة مواقف متباينة بشأن الحرب، بين ممتدح لها و معترض عليها بشكل مطلق من جهة، و منسّب للموقف منها في علاقة بطبيعتها في كل حالة من الحالات المخصوصة التي تقع فيها من جهة أخرى. 

و للتمثيل لهذه المواقف سنورد بعض المرجعيات الفلسفية و سنضرب صفحا عن أخرى، طالما أننا غير معنيين في هذا المقام بسرد آراء سائر الفلاسفة، و إنما بالجانب الإشكالي للمسألة، لأجل ذلك سنقتصر على استحضار كانط و نيتشة بالنسبة للموقف الأول، و ابن رشد و الماركسية بالنسبة للموقف الثاني. 

بالعودة إلى كانط نلاحظ أنه يردّ الحرب إلى نزوع غريزي يضرب بجذوره عميقا في طبيعة الإنسان، فهي « تبدو متجذرة في الطبيعة البشرية، بل إنها تبدو كشيء نبيل يميل إليه الإنسان حبّا في المجد » [3]. ولا يعني ذلك أنه يبرّرها بل على العكس تماما فهو لا يخفي معارضته لها بشكل مطلق، موجها نقده للفلاسفة الذين مجّدوها، فبرأيه « هناك فلاسفة يمتدحون الحرب كما لو كانت ميزة إنسانية ، متغافلين عن هذه الجملة التي نطق بها إغريقي: إن الحرب سيئة من حيث كونها تصنع من الأشرار أكثر مما تلغى » [4]. 

و الوجه الآخر لهذا الموقف نعثر عليه لدى نيتشة الذي عبر عن رأى مناصر للحرب منافح عنها، فهي الكفيلة بصقل مواهب عرق السادة و المحافظة عليها. و بالتالي الحيلولة دون انحطاطها، ومن ثمة التعجيل في ظهور الإنسان الأرقى، فالصراع و القتال و المغامرة بالحياة كلها أمور لا غنى عنها لإدراك ذلك الهدف، فـ »الأحكام القيميّة لدى الأرستقراطية المقاتلة تعتمد على بنية جسمية قوية، على صحة عامرة، دون نسيان الشرط اللازم لتعهّد هذا النشاط المتدفق، نعني الحرب و المغامرة » [5]. 

و برأيه فإن القوى لا ينبغي أن يلام كلّما عمد إلى وضع « إرادة الاكتساح و الإخضاع » لديه موضع التطبيق، فتلك ما تقتضيه طبيعة الأشياء ذاتها. كما أنه لا معنى لـ » مطالبة الضعف بأن يتجلي كقوة »، لأجل ذلك أضفي نيتشة على القوة و الضعف طابعا فيزيائيا و بيولوجيا، فـ » كمية من القوة المحددة تستجيب بالضبط لنفس الكمية من الغريزة، من الإرادة، من الفعل » [6]. 

و لم يتردد في توجيه نقده العنيف للأطروحات المسالمة و النزعات الإنسانية المفرطة في إنسانيتها، معتبرا إياها « عقيدة جامدة… تؤكد أن من الجائز للقوي أن يصبح ضعيفا، و الطير الجارح أن يتحول إلى حمل » [7]. 

و في المقابل نجد لدى ابن رشد موقفا مغايرا، فالحرب لازمة لردع المعتدين و إجبار المدن الضالة على السير على طريق الفضيلة و الحكمة، غير أنها ليست اختيارية و إنما اضطرارية، و عندما تنتفي أسبابها الموضوعية فإن اللجوء إلى السلام يفرض ذاته لا محالة إذ  » من الصائب القول أنه أحيانا يكون السلام مرغوبا فيه أكثر من الحرب » [8]. 

و في نفس الاتجاه ترى الماركسية أن الحرب ليست شرّا مطلقا و لا خيرا مطلقا، لذلك ينبغي أن يتخذ الرأي بخصوصها في كل حالة على حدة، فحروب المضطهدين ضدّ مضطهديهم حروب عادلة ينبغي مناصرتها و الانخراط فيها. أما الحروب التي يشنها الغزاة بهدف الاستعمار و الاستغلال فينبغي فضح طبيعتها و مقاومتها. أي إنه سواء كان الاضطهاد داخليا أو خارجيا فإن الحرب التي يشنها المضطهدون لأجل تحرّرهم هي حرب مشروعة. 

ففي حال الغزو الخارجي « فإن كل أمة تستسلم لأن جيوشها لم تستطع المقاومة لهي أمة جبناء تستحق كل احتقار » [9] ، فواجب الأمة التي تخضع للغزو أن تنهض لمقاومة الغزاة من خلال اللجوء إلى شكل النضال المناسب الذي تعتمده الشعوب المقهورة ضد مستعمريها و هو حرب العصابات فـ »كل أمة شنت حرب عصابات ضدّ الغزاة انتصرت » [10] . 

أما بالنسبة للصراع الواقع داخل البلد الواحد بين الطبقات المتناحرة، فإن الماركسية تعتبر الثورة المسلحة التي يقوم بها المضطهدون أمرا مبرّرا بل لازما فـ « البرولتاريا تؤسس سلطتها بعد القضاء على البرجوازية بالشدة و العنف » [11]. 

و حتى لا ينهزم الثوريون عليهم أن يتعاملوا مع الثورة باعتبارها تخضع لقوانين مضبوطة، فقد « أصبحت الثورة المسلحة… فنا كالحرب أو أي فن آخر، وهي تخضع لقوانين معينة، إذا أهملت تؤدّي إلى تدمير القائمين بالثورة » [12] . 

و كما هو جليّ فإن الحدود الفاصلة بين هذه الآراء تجد منبتها في أطروحات ثلاث، أولها أن الحرب سيئة في كل الظروف و الحالات، و أن البديل عنها هو السلم الأبدية، و الثانية أنها شرط لازم لترقّى الكائن الإنساني وصولا إلى الإنسان الأعلى، و الثالثة أن طبيعتها تتحدد بالمقصد الذي ترومه و القوى المنخرطة فيها. 

2- دلالة الحرب على الإرهاب 

إذا كانت الحرب « ليست عملا سياسيا فحسب ولكنها أداة سياسية حقيقية و استمرار للعلاقات السياسية و تحقيق لهذه العلاقات بوسائل أخرى » [13] بحسب التعريف الشهير لكلاوزفيتش فإن الوقوف على الجانب السياسي شديد الأهمية، و من ثمة فإن الإحالة على وقائع سياسية مباشرة تبدو في هذه الحال أمرا لا مناص منه. 

وطالما أن الأمر يتعلق في هذا العمل بالخوض في إشكالية الحرب و الإيتيقا، فان العلاقة بين السياسي و القيمي لا يمكن إلا أن تكون حاضرة، « فإذا كانت السياسة تقول كونوا حذرين مثل الثعابين بينما تضيف الأخلاق كونوا بسطاء مثل الحمام » [14] ، فإن ما نلاحظه راهنا في عالمنا هو أن الثعابين تفتك بأسراب الحمام في وضح النهار، و بوحشية قل نظيرها. حيث تطيح القوة الغاشمة بالفضائل مجتمعة. 

و ضمن السجل السياسي نلاحظ ذلك الحضور المتعاظم خلال السنوات الأخيرة لمفهوم الإرهاب، و هو من المفاهيم التي ظلت مستعصية على التحديد الدقيق. و برغم أن المفهوم ظل بدون تحديد فقد عقدت مؤتمرات حول الإرهاب و شنت الحروب لأجل القضاء عليه. 

و انعدام وجود تحديد لذلك المفهوم قد لا يكون دون قصد، خاصة من قبل الهيئات الدولية التي تأتمر بأوامر القوى الإمبريالية، فأن يظل التحديد غائبا فذلك من شأنه أن ييسّر لتلك القوى التلاعب به في أي وقت فتفصله على قياس كل حالة من الحالات التي تواجهها. أي أن الالتباس ييسّر على سبيل المثال وصف أية مقاومة مشروعة بأنها إرهاب، كما ييسر وصف إرهاب فعلي بأنه دفاع مشروع عن الذات. 

و اللافت أن مختلف القوى المتصارعة قد حرصت على وصم بعضها البعض بصفة الإرهاب، و جاءت حادثة ضرب برج التجارة و مبنى البنتاغون لكي تضفى على المفهوم بعدا دراماتيكيا. 

و رغم أن الإمبرياليين الأمريكيين يمتلكون الكلمة العليا في ترويج الدعاوي الإيديولوجية التي تظهر خصومهم في أبشع صورة، فقد بدا جليا لقطاع واسع من البشر أنهم يمارسون الإرهاب المنظم، أي إرهاب الدولة العظمى تحت شعار من ليس معنا فهو ضدنا بل إن ما بدا مفارقيا أن هؤلاء هم من صنع ظاهرة الأصولية و هم من يكتوي الآن بنارها فالإمبريالية تصنع إرهابييها و تخرجهم من كمّها في الوقت المناسب، ثم تطلق زعيقها بعد ذلك : إنهم هناك ينبغي غزوهم و تدميرهم في عقر دارهم حتى لا يطالنا شرّهم. 

و إذا كان هناك من تفسير لمثل ذلك الصنيع فهو أن الإمبريالية و الحرب توأمان، فهي عندما لا تجد ذريعة مناسبة لتفجير الحروب فإنها تختلقها من خلال إثارة الفتن، وعندما تندلع الحرائق تتظاهر بلعب دور رجل المطافئ، فترسل جنودها على عجل و لا تبرح المكان إلا مدحورة، تلاحقها لعنات المقهورين و طلقات رصاصهم. 

وإذا كان فريديريك أنجلس قد شكر نابليون على ما صنعته يداه عندما استثار بحروبه التوسعية « حروب الشعوب العامة »، و حرك الشعور القومي المعادي للغزو، فإن بالإمكان القول إن بوش قد فعل الأمر ذاته فهو يحرك لدى العرب و الأفغان و اليوغسلاف و غيرهم من الشعوب، شعورا لا يقاوم بضرورة المقاومة و الثورة. 

و على هذا النحو فإن الحرب الراهنة برغم سلبيتها و لا عدالتها و طابعها الظالم لا تعوزها بعض العناصر الإيجابية، فقد أيقظت ملايين البشر على الوجه البشع للإمبريالية. فبعد تفكك المعسكر الشرقي قدمت الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة في ما أصطلح عليه بالحرب الباردة نفسها، على أنها ستكفل الحرية و العدالة لشعوب الأرض كافة، ضمن نظام عالمي جديد قاعدته المساواة بين الأمم و حفظ الحقوق الأساسية للبشر. و لكن وقائع الحياة كشفت بعد ذلك أن تلك الوعود ليست سوى خداع، و أن جوهر الإمبريالية هو معاداة البشرية. و جاءت الحروب التي شنت في الصومال و البلقان و أفغانستان و العراق لكي تؤكد ذلك. 

و لم تبق الطبقات المستغلة في البلدان الرأسمالية و قد فتحت العين على تلك الحقيقة مكتوفة الأيدي، و إنما سارت في مظاهرات ضخمة ضمت ملايين البشر. و كان شعار مناهضة الحرب إحدى الشعارات الأشد بروزا، أما في البلدان التي طالها الغزو فقد هبت الشعوب المضطهدة لمقاومة المستعمرين بقوة السلاح. 

لقد غدت اليوم مسألة الحرب موضوعا للنقاش العام، و هذا في حدّ ذاته يعد أمر إيجابيا كما ذكرنا، حيث ترسم الحدود بين المواقف المختلفة و تتشكل خارطة القوى السياسية المتصارعة، و يتنامي الوعي السياسي، و تستيقظ جماهير واسعة و تشارك في النضال. و مثلما بينه ماركس و أنجلس قبل قرن و نصف تقريبا من أن الرأسمالية تنجب حفاري قبرها، فإن ديالكتيك الأحداث الجارية اليوم يشير إلى أن الإمبريالية تعفّر وجهها في التراب و تغرق في الأوحال، جراء ما صنعته. و ذلك على أيدي ضحاياها أنفسهم المصممين على اقتحام السماء بنيل الحرية أو الموت. 

وهكذا فإن أهمية هذه الحرب تكمن في العداء الذي فجرته ضد الإمبريالية، بالنظر إلى طبيعتها الكونية. حيث يحرص القيّمون عليها على تأكيد أنها تشمل العالم كله، ومن هنا فإن المواجهة قد غدت هي أيضا أممية. 

و إذا كان قد تشكل خلال الستينات و السبعينات من القرن الماضي وعي سياسي معاد للاستعمار، لدى مئات الملايين من الناس، على هامش الحرب في فيتنام، فإن ما يحدث الآن هو جنين و ضع مشابه. 

لقد ألمحنا سابقا إلى أنه من المهمّ دوما قبل اتخاذ موقف من هذه الحرب أو تلك الوقوف على طبيعتها فـ »المسألة الرئيسية… هي تحديد الأهداف التي تجرى من أجلها هذه الحرب (أو تلك) و تحديد الطبقات التي أعدتها و قادتها » [15] . و إذا كان الهدف من الحرب على الإرهاب هو السيطرة على ثروات الشعوب و نهب خيراتها، و إذا كان من خطط لهذه الحرب هو الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاؤها، المشهود لهم بجرائمهم المرتكبة في حق الأمم المضطهدة، فإن الحرب الدائرة حاليا هي حرب غير عادلة، إنها حرب رجعية ينبغي مقاومتها. 

و إذا كان بإمكان هذه الحرب إحراز انتصارات مؤقتة، فتدمر مدنا بأكملها على رؤوس أصحابها، مثلما حصل في الفلوجة و النجف و غيرهما من مدن و قرى العراق، فإن مآلها النهائي الهزيمة، فـ « سياسة الدم الحديد يمكن أن تحرز النجاح مؤقتا (غير أنها) لا بد أن تمنى بالفشل في آخر المطاف » [16] . 

3- التقنية في خدمة الحرب 

تسارع في العقود الأخيرة نسق تطوير الأسلحة وهو ما يمكن تبينه من خلال إلقاء نظرة على جيل الأسلحة الجديدة المسيرة ذاتيا. 

و يندرج ذلك ضمن ما عرفته التقنية في مجملها من تطور، أي أن ما يصح في هذا المجال على الآلات المخصصة للحرب يصح على الآلات إجمالا، التي كان تطورها بطيئا في البداية، ثم تسارع بشكل لافت. فعندما نلقي نظرة على ذلك التطور يمكننا رسم اللوحة التالية : « المعدات البسيطة، تراكم المعدات، المعدات المركبة، تشغيل أدوات مركبة بمحرك يدوي واحد بواسطة الإنسان، شبكة آلات ذات محرك أوتوماتيكي واحد، تلك هي مسيرة الآلات » [17] . 

و بهذا فإن التكنولوجيا التي نتحدث عنها إنما تحيل إلى مجموعة الأدوات و الآلات التي يتم إنتاجها و إعادة إنتاجها بهدف تحقيق مقصد معين، و قد تطور ذلك الإنتاج كما ذكرنا من البسيط إلى المعقد، مثلما عليه الحال في عصرنا حيث الآلات الروبوتية ذاتية الحركة، و التي يتم التحكم فيها عن بعد، و هو ما ينسحب على الآلات المستعملة في الحرب، و من هذه الزاوية أضحى دارجا وصفها بالذكية. 

و التكنولوجيا العسكرية سواء من حيث إنتاجها أو الغائية المحركة لها، منصهرة عميق الانصهار في الفضاء الاجتماعي السياسي الذي تنشأ فيه و تتطور. إنها نتاج طبيعي للعلاقات القائمة بين الطبقات و بين الأمم، فقد طورت القوى المتصارعة دوما أدواتها الحربية بما يناسب مصالحها التي تمرّ في غالب الحالات عبر إخضاع الخصم و فرض الأمر الواقع عليه. 

و لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين الإنسان و الآلة بما في ذلك الآلة العسكرية على نحو أحادى، فإذا كان من الصائب القول إن البشر قد أنتجوا آلاتهم بوعي و إرادة، فإنه من الصائب أيضا القول إن تلك الآلات تستقل عنهم و تخضعهم لإرادتها، فتتحكم المصنوعات بالصانع و تمسك بتلابيبه أينما حلّ، فالآلات أصبحت تنتصب أمام الإنسان كما لو كانت قوة مستقلة عنه لا راد لجبروتها، بما في ذلك المعدات العسكرية التي تبدو و هي منتصبة في القواعد و الثكنات التي شيدت لاحتضانها، كما لو أنها تستحثّ البشر لاستعمالها. و بطبيعة الحال لا ينبغي البحث عن تفسير لهذا الأمر لدى الآلات فهي خرساء لا تقوى على الإصغاء لأسئلتنا، و إنما لدى البشر أنفسهم و العلاقات التي أنشأوها فيما بينهم. 

لقد كان للأسلحة في فترات التاريخ المختلفة آثارها السلبية، فقد سببت سقوط ملايين الضحايا، و كانت باستمرار الأدوات التي استعملتها قوى التسلط و الهيمنة لفرض سطوتها. غير أن هذا ليس إلا الوجه الأول للمسألة، أما الوجه الثاني فهو أن الأسلحة كانت أيضا أدوات لمحاربة الاضطهاد، و بالتالي لتحرير جموع غفيرة من البشر، و بعيدا عن نزعة تنزيه الإنسان و تجريم الأسلحة نقول إن الأسلحة أية أسلحة لا قيمة لها إلا في علاقة بمن يستعملها. و لكن هل يعني ذلك حياد الأسلحة؟ ! و للإجابة سنجعل السؤال يكتسي صبغة أعمّ بالإحالة على التقنية عامة فهل هي محايدة أم لا؟ ! 

لقد ذكرنا أن التقنية يتم إنتاجها في علاقة بغاية تحرّك السعي لامتلاكها، و طالما يتعلق الأمر بمقصد أو وظيفة محددة فإن ذلك معناه أن الإنتاج التقني يتمّ دائما ضمن اشتراط معين و هو تحقيق تلك الوظيفة. 

و من هذه الزاوية فإن التقنية ليست محايدة، و إنما توجهها و تطبعها المشاريع التي تضعها القوى المشرفة عليها. فوراء كل منتوج تقني مشروع وضعه هذا الطرف أو ذاك لتحقيق هدف أو جملة من الأهداف، و تلك الأطراف عينها هي التي توجه العلم و العلماء في غالب الحالات ناحية ما تروم فعله. و عندما نقرأ الشهادة التالية التي أدلى بها أحد العلماء الذين أسهموا في صنع القنبلة الذرية الأمريكية يرتسم أمامنا بشكل واضح ذلك التلازم الذي ألمحنا إليه. ففي مؤتمر آسيا و الباسفيك المنعقد غداة الحرب العالمية الثانية تحدث العالم الأمريكي جون هنتون قائلا : « لمست بيدي أول قنبلة ذرية ألقيت على ناجازاكي، و إني لأشعر اليوم بالجرم الذي ارتكبته كما أشعر بالحزن لأني قمت بدور مهم في إعداد هذا الجرم ضد الإنسانية. و لكن كيف حدث أني رضيت القيام بهذه المهمة؟ ذلك لأني كنت أؤمن بفلسفة العلم من أجل العلم الخاطئة » [18] . 

وهكذا فإن المشاريع التقنية ليست منفصلة عن المجتمع و ما يعتمل داخله من صراعات و تناقضات، فكل آلة يتم إنتاجها تحمل التاريخ الحقيقي لميلادها في ذلك القصد الذي لأجله تم صنعها، و بالتالي فهي غير مستقلة عن القوى التي أنتجتها خاصة في البداية، فهي امتداد لحاجات تلك القوى و رغباتها، نقول في البداية لأنه قد يحدث بعد ذلك انتقال تلك الآلات إلى أيدي قوى أخرى ذات مشاريع و تطلعات مختلفة. 

و بهذا فإن التقنية غير محايدة و لكن هل يعني ذلك أن الآلات هي المسؤولة عمّا يسببه استعمالها في بعض الحالات من مآسي و كوارث و خاصة خلال الحروب؟ 

إن التقنية ليست محايدة طبقا للأسباب التي ألمحنا إليها، غير أن الآلات في حدّ ذاتها ليست سبب بلاء البشر، و من يتحمل مسؤولية ذلك هو القوى التي تستعملها، و بالتالي فإن كل معارضة للتقنية بصورة مطلقة لا يكشف إلا عن جهل، كما أن توجيه اللوم إلى الآلات لا ينم عن رويّة في التفكير و إنما عن ضيق أفق. 

و المطلوب هو أن يتحول نقد التقنية إلى نقد المجتمع، فالأمر لا يتعلق بصراع بين الإنسان و التقنية، و إنما بصراع بين طبقة و طبقة و امة و امة ، و هو « صراع يتفاقم مع بروز التفاوت و تفاقمه داخل المجتمعات البشرية و بين بعضها البعض، من حيث مستوى المعرفة و الثروة و تملك العلم و التكنولوجيا، و حدود الهيمنة السياسية و الاجتماعية و الطبقية » [19] . 

و قد يكون مفيدا استحضار كارل ماركس وهو ينقد ردّ فعل العمال ضد الآلات في بدايات التصنيع بقوله « يعود تاريخ الصراع بين الرأسمالي و العامل بالأجرة إلى أصول رأس المال الصناعي نفسها، و قد اندلع أثناء العهد المانيفاكتورى و لكن الشغّيل لم يهاجم وسيلة العمل إلا عند إدخال الآلة، فقد ثار ضدّ هذا الشكل الخاص من أشكال الأداة الذي يرى فيه التجسيد الفني (التكنيكي) لرأس المال » [20] . 

وإذا عدنا الآن إلى التقنية العسكرية و الأدوات المستعملة في الحروب، لجاز لنا القول في إجابة عن السؤال الذي طرحناه في البدء، أن تلك الأدوات ليست محايدة و أن ما يصح على الآلات أجمالا يصح من باب أولى أحرى على الأدوات الحربية. فلا ينبغي أن نصبّ جام غضبنا على الآلات و إنما يجب أن ينصّب نقدنا على هؤلاء الذي يستعملونها للفتك بالبشر. 

و من هنا فإن إشكالية التقني/العسكري ينبغي أن تنزل من مستوى التهويم الفلسفي الذي يفصل المسائل عن المعيش الاجتماعي السياسي، إلى مستوى التدقيق المفهومي، حيث يحضر المجتمع بصراعاته المحتدمة، و حيث تغدو التقنية العسكرية وسيلة من الوسائل المعتمدة في ذلك الصراع. أي إن المعركة اليوم ليست ضد القنابل الذرية و البيولوجية و الكيمياوية و ما شاكلها، و إنما ضدّ الإمبريالية التي تشهر أدوات الفتك تلك في وجه شعوب الأرض كافة. 

لقد طورت الرأسمالية على الدوام الآلات في علاقة بالصراع الطبقي، طلبا للربح و مراكمة الثروات و الحيلولة دون اندلاع الثورات، أو إغراقها في بحور من الدم متى حصلت. حتى أننا « نستطيع أن نكتب تاريخا كاملا للاختراعات التي أستحدثت… لحماية رأس المال » [21] . 

و إذا كان كارل ماركس قد نظر إلى نضال العمال باعتباره دافعا يجعل الرأسمالية تطور تقنياتها، بما فيها التقنيات العسكرية، فالإمكان القول أيضا أن نضال الشعوب و الأمم المضطهدة من أجل الاستقلال و تقرير المصير قد أدي إلى وضع مشابه. 

و عندما تغدو تلك التقنيات أو بعض البعض منها مقترنة بالاضطهاد، يمكن تفهم ردّ فعل المضطهدين إزاءها، و المتمثل في تحطيمها. و عندما يلجأ المقاومون العراقيون اليوم إلى تحطيم البنية التحتية للصناعة البترولية بتفجير الأنابيب و تخريب المضخات، فإن ردّ فعلهم يندرج ضمن نضال وطني يصمم فيه الشعب على قطع الطريق أمام الغزاة، حتى لا يستفيدوا من الثروات التي جاؤوا أصلا لنهبها، و بالتالي فهم يدركون أن تلك المنشآت ليست سبب بلائهم و أن الإمبريالية هي « أفعى أوجاعهم » [22] . 

لقد عولت قوى الهيمنة في العالم باستمرار على ترسانتها العسكرية لضمان تفوقها و إخضاعها للشعوب و الأمم المضطهدة. و تبدو دولة مثل الولايات المتحدة اليوم مزهوّة بتقنيتها العسكرية وتنظر إليها باعتبارها الكفيلة بحلّ مختلف المشكلات التي تعترضها. و تعتقد أنها بتطوير أشد الأسلحة فتكا، ستجعل العالم يركع تحت قدميها. و يرقى هذا التعويل على الأسلحة المتطورة، و على التكنولوجيا عامّة، إلى مستوى « الديانة الصناعية » [23]، حيث تغدوا الآلة وسيلة الخلاص. غير أن ذلك ليس إلا ضربا من ضروب الوهم، فأصحابه يتغافلون عن حقيقة مؤدّاها أن المحدّد في الحرب ليست الأسلحة وإنما الإنسان نفسه. لذلك فإن الشعوب التي لا تمتلك أسلحة متطورة كثيرا ما لجأت إلى إبداع أشكال نضال قادتها إلى الانتصار على عدوّ يفوقها عتادا و عدّة. 

وتلك الديانة الصناعية هي التي تفسّر المعركة الضارية التي تخوضها الإمبريالية بغرض فرض الرقابة على الكثير من البلدان حتى لا تطور أسلحة مشابهة لتلك التي تمتلكها القوى العظمى، في المجالات النووية و البيولوجية. وبهذا يجري في وضح النهار احتكار التقنيات العسكرية المتطورة، فبينما تطور تلك القوى أسلحة ذات طاقة تدميرية هائلة، فإنها تمنع البلدان الأخرى من مجرد التفكير في امتلاكها. 

و المفارقة أن تلك القوى في الوقت الذي تتحدث فيه عن خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل و تلزم غيرها بالامتثال لما تسميه القانون الدولي، تضرب عرض الحائط بالمعاهدات الدولية الموقعة في الغرض، لذلك نري الولايات المتحدة وهي تتنصل من المعاهدات التي تحّد من جموحها في مجال التسلّح، فعلى سبيل المثال ألغت هذه الدولة من جانب واحد اتفاقية الصواريخ البالستية سنة 2001، و هي الاتفاقية التي وقّعتها سابقا مع الإتحاد السوفياتي حتى تصبح يدها طليقة في إنتاج صواريخ أشد فتكا ضمن مشروع حرب النجوم. كما تنصّلت من التوقيع على بروتوكول منع الأسلحة البيولوجية خلال المؤتمر الدولي المنعقد في صيف 2001 لهذا الغرض. 

ولسائل أن يسأل من المستفيد من صرف هذه الميزانيات الهائلة على تطوير الأسلحة الفتّاكة و شنّ الحروب؟ و الإجابة عن هذا السؤال جدّ مختصرة، فذلك يحصل لسبين أساسيين أوّلهما نهب ثروات الشعوب، و ثانيهما أن دوران آلة الحرب معناه استفادة الشركات الاحتكارية العملاقة التي تصنّع أدوات الفتك تلك. 

4- القيم في صفّ من؟ 

تقدّم لنا الحروب الإمبريالية ضد الشعوب و الأمم المضطهدة و آخرها الحرب الراهنة الدليل الواضح على التوظيف السلبي للقيم، حيث تبرز الإيتيقا كخادمة للعدوان، فقد حرص الإمبرياليون الأمريكيون على إظهار أنفسهم بمظهر المدافع الذي لا تلين له قناة عن الحرية و العدالة التي لا تحدّها حدود. و حاولوا أن يرسّخوا في الأذهان أنهم من أنيط بعهدته فرض احترام القيم ضدّ الهمج و البرابرة بقوة السلاح. 

غير أن الجرائم الكثيرة التي يرتكبونها و لا يبرز الإعلام إلا النّزر القليل منها، و أحيانا بفعل صدفة حسنة، أو تخطيط خبيث، مثلما حصل في سجن « أبو غريب »، حيث بلغ انتهاك كرامة البشر مستوى لا سابق له، أو قتل الجرحى و التمثيل بهم في الفلوجة تكشف المسافة بين القول و الممارسة. 

و الّلافت في فضيحة « أبو غريب » هو أن الأمريكيين هم من كشف عنها، ففي 28 أفريل 2004 نشرت مجلة النييوركر الصور المرعبة التي جابت العالم بعد ذلك. و ذكرت أنها حصلت على تقرير سرّي من ثلاث و خمسين صفحة يشير إلى الانتهاكات التي جرت في ذلك السجن، مثل الاغتصاب و التعذيب بالكهرباء و حرق الأجساد بسوائل فسفورية. 

و في البداية علّق المسؤولون الأمريكيون قائلين أن تلك الحوادث معزولة و أن القضاء سينظر في أمر مرتكبيها الذين سينالون جزاءهم. أما الجنرال مايرز فقد صرح قائلا: « ليس لي علم بالتقرير، هذا النوع من التقارير يمكن أن يكون ملفقا ». و بعد أيام قليلة بثّت قناة سي بي اس الأمريكية الصور الذي تظهر السجناء العراقيين و هم يتعرضون لأبشع أنواع التنكيل على أيدي جلاديهم. 

و بينما كانت الأنظار مشدودة لما حصل على أيدي الجنود الأمريكيين، كانت المفاجأة الثانية عندما نشرت جريدة الدايلي ميرور صورا تبرز معاناة سجناء عراقيين على أيدي ضبّاط بريطانيين، و مثل نظرائهم الأمريكيين صرّح المسؤولون البريطانيون أن الصور قد تكون مفبركة ! فهل ما حدث في « أبو غريب » غريب؟ الإجابة هي قطعا لا فسجلّ الإمبرياليين الأمريكيين و البريطانيين و المستعمرين عامة، حافل بمثل هذه الفظائع. بل إن ما حدث يندرج ضمن توجه عام للعسكرية الأمريكية، يقوم على إلحاق أكبر أذى ممكن بالخصم، بتدميره ماديا و معنويا وبثّ الخوف و الهلع بين صفوفه ، و إقناع كل من تحدّثه نفسه بالنسج علي منواله بأنه سيلقي المصير ذاته . 

و إذا كان المسؤولون الأمريكيون الكبار يؤكدون مثلما أسلفا أن ما حصل هو حوادث معزولة، فإن الحقيقة غير ذلك، فتعذيب ضحايا سجن « أبو غريب » مثّل جزءا من الحملة العسكرية التي بدأها الجيش الأمريكي في ديسمبر 2003، و أطلق عليها اسم « المطرقة الحديدية »، وقادها الجنرال جيري بوكين أشد الجنرالات الأمريكيين فاشية، و صاحب السّمعة السيئة في مواجهة الثوريين في أمريكا الجنوبية و خاصّة في كولومبيا و البيرو فهو الذي أشرف على عمليات التعذيب و استقدم للغرض ضباطا إسرائيليين مثلما أشارت إلى ذلك تقارير صحفية. 

و أمام المدى الذي أخذته الفضيحة، تمّ نشر تقرير أنطونيو طاجوبا (Antonio Taguba)، و ما يدعو للسّخرية هو تلك الاستنتاجات التي خلص اليها فقد فسّر تلك الفظاعات باختلاف الثقافات و محدودية التوجيه الذي يتلقاه الجنود، مما يفسّر عدم تقيّدهم بأحكام اتفاقيات جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب حسب زعمه. 

و إذا كنّا نعرض في هذا المقام للجانب الأخلاقي في الحرب الدائرة حاليا، فإن ما ينبغي تأكيده أن تلك الصور قد كشفت و بشكل مكثف عن ذلك الكم الهائل من الشرور و الرذائل و الهمجية و الجرم الذي تختزنه الإمبريالية الأمريكية و نظيرتها الإنكليزية. أما ما رفعه الغزاة في بداية الحرب من شعارات أخلاقية، مثل عدالة بدون حدود و حرية العراق، فإنه قد انتهى إلى الإفلاس و لم يعد يقنع أحدا، فمن بإمكانه أن يصدّق الهراء الإمبريالي حول الأخلاق بعد تلك الصور التي يبدو فيها سجين ويداه مشدودتان إلى خيوط كهربائية، و آخر و قد ربط رسن إلى عنقه بينما تقوم جندية بجره، وثالث مقيّد قبالة كلب يتأهّب للانقضاض عليه، و رابع و قد كتب على مؤخرته : أغتصب، و مجموعة من السجناء و قد رصفوا فوق بعضهم البعض في شكل هرم، و هم عراة بينما يظهر في خلفية الصورة جلاّدة و جلاّد و هما يبتسمان بصادية تعبّر عن استمتاعهما بما يحدث، أو تلك الصور التي تظهر جنديا بريطانيا وهو يتبوّل على سجين عراقي. 

لقد زعم هؤلاء الغزاة في بداية الحرب أنهم ذاهبون إلى العراق و أفغانستان و غيرهما من البلدان للدفاع عن قيم كونية مهددة، و أمام الذي حصل و يحصل بإمكاننا اليوم القول أنك إذا شئت أن تعرف حقيقة أخلاق الإمبرياليين فما عليك إلا أن تقلب ما يقولونه إلى نقيضه. 

إن ما وقع على هامش تلك الصور، هو فشل إستراتيجية الرقابة على الصور التي اعتمدها الأمريكيون غداة الحرب الفيتنامية. فقد ساد زعم لدى عدد من كبار العسكريين الأمريكيين مؤدّاه أن الهزيمة التي منيوا بها، سببها عدم السيطرة على الصور التي كانت تنقل الفظاعات التي ارتكبوها في ذلك البلد، مثل تلك الصورة الشهيرة لفتاة صغيرة و هي تجري عارية و النيران تلتهم جسدها، بعد قصف الطائرات لقريتها بقنابل النابلم المحرّمة دوليا. 

وقد نجح الإمبرياليون الأمريكيون في حروبهم الأخيرة جزئيا في تنفيذ هذه الإستراتيجية، فبينما سقط عشرات الآلاف من الضحايا، فإن صور الجثث حجبت. غير أن ما أفصحت عنه فضيحة « أبو غريب »، هو أن تلك الإستراتيجية قابلة للاختراق، و أن الحجّة بالصورة التي برعوا فيها لتمرير دعايتهم، ترتدّ اليوم على الإمبريالية نفسها و تصيبها في مقتل. 

ويحاول هؤلاء محو تلك الصور من الذاكرة بكل قواهم، و للغرض نظّموا مسرحية محاكمة الجنود المتورّطين في عمليات التعذيب. غير أن الأحكام الصادرة كانت مثيرة للسخرية، و قد صرّح روبرت غولدمان أستاذ الحقوق بجامعة واشنطن بنبرة تهكّمية قائلا : « في أمريكيا يمكن إن تواجه أحكاما أشد قسوة لأنهم عثروا على القليل من الماريجوانا لديك » و هكذا فإن الإمبريالية التي تتغنّى بحقوق الإنسان و تزعم الدفاع عن أسمى القيم لا تفعل في حقيقة الأمر غير توظيف تلك الشعارات لصالحها، و استعمالها كوسائل لخداع البشر. و في حال واجهت المقاومة من قبل مضطهديها فإنها ترمي بتلك الشعارات جانبا فتبدو على حقيقتها كقوة فاشية منفلتة من أي عقال. 

و عندما يصل هؤلاء إلى هذا الدّرك من الانحطاط فإنهم لا يتوانون عن مطالبة الجميع بالخضوع لإرادتهم، مثلما يحصل الآن، فيتلاعبون بما حقوقي، مستصدرين قوانين جديدة، و مقدّمين تأويلات لا سابق لها لقوانين قديمة. و المّهم بالنسبة لهم هو فتح بوابات العالم جميعها أمام جبروتهم، يقول شومسكى في توصيف ذلك : « إن القوة المهيمنة لا تكتفي بالإعلان عن سياستها الرسمية، بل إن عليها أن تؤسّسها كعرف جديد من أعراف القانون الدولي… و من المعروف أن أحدا لا يستطيع أن يؤسس أعرافا جديدة، و يجري تعديلات على القانون الدولي، غير هؤلاء الذين يشهرون مسدّساتهم » [24] . 

و لا تفتضح تلك الازدواجية و ذلك التناقض في تعامل هؤلاء مع ما هو قيمى في أعين المضطهدين فقط. و إنما أيضا في أعين عدد متزايد من الجنود الأمريكيين أنفسهم، الذين يتركون ساحة المعركة و يرفضون المشاركة في تلك الحرب. ففي عالم الإمبريالية « هذا العالم المقلوب واقعيا رأسا على عقب، يكون ما هو حقيقي لحظة من لحظات ما هو زائف » [25]. إنه العالم الذي يستثمر فيه الجلاد جريمته و قد افتضحت، فيؤقنم ضحاياه مؤكدا أنه لو لم يكن ديمقراطيا ما نشرت تلك الصور، إنها الحجة بالسّلب هذه المرة، و المهم هو أن لا يفلت الرأي العام من تأثير الدّعاية التي تحوّل الحقيقة إلى زيف و الزيف إلى حقيقة. 

و لإدراكهم لمركزية القيم في الحرب الراهنة، ركّز هؤلاء دعايتهم في اتجاه التأكيد أنهم ضامنها الوحيد، بل إنهم و وظفوا حتى الله لصالحهم، فالله في صفّ أمريكا. لأجل ذلك مارست القيم حضورا بارزا في خطابهم الدعائي. غير أنه في معمعان المعارك يتبدّى للعيان شيئا فشيئا أن الفضائل ليست في صفّهم، و إنما في صفّ مٌضطهديهم الذين يموتون في سبيل أن تحيا أوطانهم، و هل هناك من قيمة تعلو على هذه التضحية؟ أما الغزاة فإن القيمة الوحيدة التي ينشدونها، هي الربح و المزيد من الربح، حتى لو كان ما يحصلون عليه من ثروات مغموسا في دماء ضحاياهم. 

و على هذا النحو فإن من بين المجالات التي تتجلّى فيها أزمة الإمبريالية، المجال القيمى، فقد غدت بعد الذي حصل في فيتنام و يحصل الآن في العراق و فلسطين و أفغانستان، مجرّدة من أية فضيلة، لذلك يجب أن ينظر إلى كل هذا الضجيج حول الحرية و العدالة باعتباره اعترافا بالافتقار إلى القيم، من جانب قوة مسلحة حتى أسنانها بالتكنولوجيا العسكرية المتطوّرة، غير أنها عارية من أية قيمة أخلاقية خيّرة، فما تمارسه يسير تماما في خط مواز لما هو قيمى، فمن الحروب الدموية التي تشنّها، إلى جرائم التعذيب ضد ضحاياها العزّل، ترتسم معالم لوحة قاتمة السواد تشير إلى المسافة التي قطعتها في سراديب الهمجيّة. 

إن المستوى الإيتيقي الذي نطرقه هنا يحيل ضمن ما يحيل عليه إلى جملة من المفاهيم، و قد أجادت الإمبريالية خلال السنوات الأخيرة خلط الأوراق على هذا الصعيد، فصنعت مخابرها الإيديولوجية ما شاءت من المفاهيم الجديدة، و لوت عنق مفاهيم قديمة، لكي تنطقها بالدلالات التي تريدها. و سنقدم فيما يلي البعض من تلك المفاهيم، و نبيّن بإيجاز كيف وظّفت في المعركة الدائرة راهنا، فعلى سبيل المثال سوّق الإمبرياليون حروبهم تحت عنوان محاربة الأنظمة الشموليّة، و كثيرا ما جرى استعمال هذا المفهوم للحطّ من شأن النظام السياسي البديل ممثلا في الاشتراكية. و تورّط الكثير من المفكرين في فخّ استعمال هذا المفهوم، و الآن يعلّق بعضهم على ذلك بالقول : « على الرغم من أن المعاني التي تمّ إضفاؤها على كلمة الشمولية خلال فترة الحرب الباردة كانت وسائل دعائية مفيدة، فإنها بقيت أدوات تحليلية غير ملائمة كليا، و أفضت في كثير من الأحيان إلى اعتماد أساليب تفتيشية بشعة و آراء أخلاقية مدمرّة، إن العديد من رفوف مكتباتنا الملأى بالتحليلات التي تتناول النزعة الشمولية لا تثير إلا الإحساس بالخجل و يمكن رميها بعيدا دون تردّد » [26] . 

كما وظفت مفاهيم أخرى مثل « الاختلاف » و « الآخر »، حيث عقدت الندوات، و ألفت الكتب. و كان المقصد غير المعلن دفن مفاهيم مثل التناقض، و الصراع، و الثورة، و تبارى المثقفون التقليديون في الشرح و التحليل، فالاختلاف يحتم التعايش في القرية الكونية، بعيدا عن ضروب الصراع. و عوضا عن الحديث عن التناقض بين البرولتاريا و البرجوازية و الشعوب و الأمم المضطهدة من جانب، و الإمبريالية من جانب آخر، يجرى الحديث عن مجرد اختلاف في الثقافات، لتذويب تلك التناقضات و استئصالها من أذهان الناس، و تحطيم عقولهم. كما طال الهجوم مفهوم التقدم و الهوية في محاولة لتجريد المضطهدين من أية قيمة و أي حلم يمكن أن يجمع بينهم. 

و على هذا النحو فقد شمل الهجوم و القيم و الحقوق، و كل ما له صلة بالمقاومة و الثورة، و الهدف هو إشاعة تفكير ينعدم فيه أي انتماء طبقي و وطني، و الإمبرياليون على وعي بان ذلك سيؤدي في حال نجاحه، إلى بروز كيانات إنسانية مفرغة من أية قيم، أي إننا سنكون في آخر المطاف أمام أفراد منعزلين مشتتين لا شئ يوحد بينهم. 

لهذه الاعتبارات كان العمل الممنهج و المنسق كما بينّا، لتدمير الهويّات الطبقية و الوطنية بشتّى السبل، و المفارقة أن الإمبريالية و هي تقوم بهذا الصنيع، تستدعى هويات مندثرة، أو تصنع طوائف مغلقة، و تشكيلات اجتماعية زائفة، لتحطيم الهويّات القائمة. و في الظاهرة يبدو الأمر سليما أخلاقيا، فالشعار المرفوع هو الدفاع عن حق الأقلّيات في الوجود، و تقرير المصير، و أن تنعم بالأمن و السلام، أما واقعيا فإن البوابة الأخلاقية مجرد مدخل قبل أن تتكلم المدافع، فتقوّض بلدانا و تفكّكها بهدف السيّطرة عليها. 

إن المواطن العربي المقهور يعي ذاته اليوم من خلال صور العار في « أبو غريب »، باعتباره ينتمي إلى أمة يطحنها الاستغلال و الاضطهاد و الهيمنة. و في حقيقة الأمر فإن الفظائع التي نقلت البعض منها تلك الصور لا تكاد تتوقف برهة من الزمن، إلا لكي تواصل إيقاعها الحزين من جديد. 

و ليس هناك من سبيل أمام الأمة العربية لتحطيم قيودها، غير إعلان الحرب على الحرب الإمبريالية، و مواجهة إيتيقا الغزو بإيتيقا المقاومة و الثورة، أي ايتيقا متمركزة حول غايات أخلاقية كبرى، مثل الكرامة، و الشجاعة، و العدل، و الحرية، و الدفاع عن الأرض و الوطن، و الثقة التامة في النصر ، و اعتماد العقل النقدي سلاحا لفهم المشكلات و حلها مهما بدت عويصة ، و الوهم كل الوهم أن نعتقد أن لهذا السلاح بديلا ينوب عنه ، حتي لو بدا ذاك البديل في ثوب ما باركته السماء . 

حواشي 

[1] ديكارت، المنهج لإحكام قيادة العقل، ترجمة و مراجعة فواز الملاح و محمود الصالح، دار النشر غير مذكورة، الطبعة الأولي، دمشق 1988، ص 26. 

[2] م ن، ص 25 . 

[3] Kant, projet de paix perpétuelle, trad. : Jules Barmi, revue par A.
La Gard. Hatier.
Paris 1988 p48
 

[4] م ن، ص 49 

[5] نيتشه، أصل الأخلاق و فصلها، ترجمة حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر، الطبعة الثانية ، بيروت 1983، ص 29. 

[6] م ن ، ص 40 

[7] م ن ص، 40. 

[8] ابن رشد الشرح الأوسط لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، ورد ضمن : Louis Lazard. L’éducation politique selon Ibn Roshd, in : Studia Islamica LII, Maison neuve / Larose Paris 1980, P 141

[9] أنجلس، حول حرب العصابات، ضمن كتاب الماركسية و حرب العصابات، ترجمة ماهر الكيالي و إبراهيم العابد، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، الطبعة الثانية، بيروت 1978، ص 14. 

[10] م ن ص ن 

[11] ماركس/ أنجلس، البيان الشيوعي، دار التقدم موسكو، بدون تاريخ ، ص 55. 

[12] ماركس/ أنجلس، فن الثورة المسلحة، ضمن كتاب الماركسية و حرب العصابات، م س، ص 9. 

[13] كلاوز فيتس، في الحرب، دار الكتاب العربي، القاهرة بدون تاريخ ص 98. 

[14] Kant, projet de paix .op cit, p 100 

[15] لينين، نصوص حول المسائل العسكرية ترجمة الهيثم الأيوبي، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت 1972 ، ص 263. 

[16] أنجلس، دور العنف في التاريخ، ضمن: ماركس / أنجلس منتخبات في ثلاثة مجلدات، المجلد 3 ، الجزء 2، دار التقدم، موسكو1981، ص 233. 

[17] ماركس، بؤس الفلسفة، دار الفارابي، الطبعة الثانية، بيروت 1981، ص 124. 

[18] جورج بوليتزار، أصول الفلسفة الماركسية، ترجمه شعبان بركات، المكتبة العصرية، صيدا / بيروت، بدون تاريخ، ص 55. 

[19] محمود أمين العالم، تأملات تمهيدية في المسألة التكنولوجية، مجلة الفلسفة و العصر، العدد الثاني، القاهرة 2002 ، ص 14. 

[20] ماركس، رأس المال المجلد II ، مكتبه المعارف ، ببيروت 1981 ، ص 605. 

[21] م ن، ص 618. 

[22] العبارة لهاينه، أوردها ماركس في كتابه : رأس المال للإشارة إلى الرأسمالية. 

[23] العبارة لدوبريه، أنظر كتابه محاضرات في علم الإعلام العام، ترجمة فؤاد شاهين وجورجيت الحداد، دار الطليعة ، الطبعة الأولى، بيروت 1996، ص 48. 

[24] شومسكى، الحرب الوقائية أو « الجريمة المطلقة »، المستقبل العربي، العدد 297 الشهر 11، بيروت 2003، ص 38. 

[25] جي ديبور، مجتمع الفرجة، ترجمة أحمد حسان، دار شرقيات، الطبعة الأولى، القاهرة 1994، ص 10-11. 

[26] هارت ونيغرى، الإمبراطورية، تعريب فاضل جتكر، مراجعة رضوان السيد، مكتبة العبيكان الطبعة الأولى،الرياض2002، ص 56 هامش رقم 1. 


Pas de commentaire
Laisser un commentaire



Laisser un commentaire

Fermé |
You're on my official's WEB... |
air du temps |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | civod
| asmablog
| Humeur, Politique, Connerie...